«ثورة 26 يونيو» تلوح في الأفق.. غضب غزاوي يتصاعد ضد حماس
من بين ركام الحرب وآلام المنفى، تنطلق شرارة غضب جديدة في غزة، لكنها هذه المرة ليست موجهة نحو إسرائيل فحسب، بل تستهدف أيضاً سلطة حماس القابضة على القطاع.
ففي تحد نادر للخوف والقمع، يستعد سكان القطاع لانتفاضة شعبية ضد حركة حماس في 26 يونيو/ حزيران الجاري، فيما يُوصف بأنه "ثورة" غاضبة ضد الجماعة التي أحكمت قبضتها على مفاصل الحياة في غزة.
ووفقا لصحيفة "الغارديان"، تقف خلف هذه الدعوة، التي تكتسب زخماً متصاعداً، حملة إلكترونية يقودها غزيون في المنفى، يصرخون عبر أثير فيسبوك بعبارات لا تخلو من تحدٍ ثوري: "لن تكسروا عزيمتنا، ولن تتزعزع إرادتنا... سنأتي، اليوم أو بعد غد، ومصيركم السقوط والرحيل، مجتمعين في أعماق الجحيم وظلامه".
تأتي هذه الدعوات الجريئة لتسليط الضوء على إحباط شعبي هائل يتجاوز عداده المليونين، يعيش غالبيتهم بين أنقاض المنازل وخيام النزوح المؤقتة. إنها صرخة يائسة من شعب يرى أن صمته الطويل قد فُسر كرضى، ويريد أن يقول لمن يحكمونه إن "المعادلة قد تغيرت".
يؤكد رامي هارون، أحد سكان غزة المؤيدين للحراك، أن هؤلاء هم ذاتهم "الشعب الصامت الذي قرر أن يرفع صوته" في وجه من راهنوا على استكانته الأبدية.

ويختصر هارون جوهر الثورة الوليدة بالقول: "إنهم يصرخون ويوجهون رسالة للجميع: كفى تهوراً ومقامرة بأرواحنا ومستقبلنا. لن ينخدع شعب غزة بعد الآن ببضع كلمات عن الوطنية، ولا بآية أو حديث يُستخدم لتبرير الفشل. إنهم يريدون حياة خالية من مغامرات المراهقة التي يدفعون ثمنها في كل مرة".
ولعل توقيت هذا الحراك الشعبي ليس وليد الصدفة، بل هو حصاد مرير لتعثر طويل في مسار السلام الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فمنذ الإعلان عن خطة السلام في سبتمبر/ أيلول 2025، والتي وافقت الأطراف على خطوطها العريضة في البداية، ظل بند المرحلة الثانية الأكثر حسماً - والقاضي بنزع سلاح حماس مقابل انسحاب إسرائيلي كامل وتشكيل حكومة تكنوقراط - أسيراً لمفاوضات متعثرة. وبينما تتعثر الجهود الدبلوماسية في دهاليز القاهرة، يدفع سكان القطاع الثمن من دمائهم يومياً.
ففي ظل ما يُسمى بوقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 970 فلسطينياً جراء الغارات الإسرائيلية منذ أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، فيما تواصل إسرائيل سياسة الأمر الواقع عبر توسيع رقعة سيطرتها تدريجياً عبر "الخط الأصفر" العازل.
هذه السياسة المتشددة، التي عبّر عنها بنيامين نتنياهو بوضوح عبر التلويح بتوسيع السيطرة الإسرائيلية إلى 70 بالمائة من مساحة القطاع، تُترجم على الأرض إلى مأساة إنسانية مروعة.
يروي أحمد الزمر، القابع في الجزء الشرقي من مخيم المغازي، كيف أصبحت الكتل الخرسانية الصفراء تظهر فجأة في مناطق آمنة سابقاً، بينما يدفع القناصة والقذائف السكان إلى النزوح القسري. يقول الزمر بمرارة: "من المفترض أننا في مرحلة وقف إطلاق النار، لكننا لم نشهد لحظة سلام واحدة".
في هذا السياق المتفجر، يأتي تقرير أممي جديد ليكشف الوجه الآخر للقمع الذي يعيشه الغزيون، ليس فقط من الاحتلال، بل ممن يديرون شؤونهم الداخلية. فقد وثقت لجنة تحقيق دولية تورط أجهزة حماس وقوات شرطتها في 249 حالة انتهاك جسيم خلال عامين، ربعها تقريباً بأيدي عناصر إرهابية.
وشملت الفظائع الموثقة عمليات إعدام علنية، وكسراً للركب والعظام بأنابيب معدنية، وضرباً مبرحاً، بذريعة معاقبة متهمين بالتعاون مع إسرائيل أو جرائم تتعلق بالمخدرات والسرقة. هذه الممارسات، التي تُصنف كجرائم حرب، تؤكد أن سلطة حماس لا تتوانى عن استخدام الإرهاب الممنهج لتثبيت حكمها على السكان.
أما المأزق السياسي الذي يغذي حالة الانفجار الشعبي فيتمثل في جوهر الخلاف حول نزع السلاح. وبينما تصر إسرائيل، خلافاً لنصوص الاتفاق، على تسليم فوري وشامل للأسلحة، تشير تسريبات صحيفة "الأسبوعية العربية" اللندنية إلى مرونة محتملة من الفصائل الفلسطينية.

وأفادت المصادر بموافقة مبدئية، خلال محادثات القاهرة بوساطة قطرية مصرية تركية، على وضع السلاح تحت سيطرة "سلطة فلسطينية واحدة" بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي.
لكن تقارير إسرائيلية مشككة تصف هذه المفاوضات بأنها مجرد تلاعب، مؤكدة أن حماس لن تفرط بسلاحها، مما يبقي الكرة في ملعب الرئيس ترامب ومبعوثه نيكولاي ملادينوف للبت في إمكانية فرض الحل الوسط على الطرفين.
في خضم هذا الفراغ السياسي المميت، وتحت أنظار عالم يلهيه الصراع الأمريكي الإيراني وانتخابات إسرائيلية تلوح في الأفق، يبدو أن سكان غزة، بتشجيع من المنفيين، على وشك أخذ زمام المبادرة.
تنقل روا الخوزندر، الفلسطينية المقيمة في تونس، صوت المنفى الغاضب على صفحة الثورة، متسائلةً بحسرة لا تخلو من سخرية سوداء: "أكثر من مليونين ونصف المليون إنسان محصورون في مئة كيلومتر، يعيشون في خيام مؤقتة وسط الأنقاض، وتتقدم فيهم الخطوط الصفراء... ثم تتحدث حماس عن النظام والأمن؟ إما أن الجماعة عمياء وتريد أمثالها - صماً وبكماً وعمياناً - أو أنهم عملاء زنادقة يريدون المزيد من أمثالهم".
إنها صرخة مدوية من قلب المعاناة، تعلن أن جحيم الحرب لم يعد قادراً على إسكات صوت من يطالب بالحياة والكرامة والمستقبل.