ألمانيا تكسر إرث ما بعد الحرب.. نحو أقوى جيش في أوروبا
تتجه ألمانيا إلى إحداث تحول تاريخي في سياستها الدفاعية والعسكرية، معلنة عزمها بناء أقوى جيش نظامي في أوروبا، في خطوة تعكس تغيرًا جذريًا في رؤيتها للأمن الإقليمي والدولي، وسط تزايد الضغوط داخل حلف الناتو لتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه العلاقات بين برلين وواشنطن بعض التوترات السياسية، خاصة في ظل الخلافات المتصاعدة بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأكد السفير الألماني لدى الولايات المتحدة، ينس هانفيلد، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، أن بلاده استجابت بوضوح للدعوات المتكررة لتعزيز مساهمتها في الأمن الأوروبي، مشيرًا إلى أن الحكومة الألمانية تتبنى استراتيجية جديدة تهدف إلى تطوير قدرات الجيش الألماني وتحويله إلى القوة العسكرية النظامية الأقوى في القارة الأوروبية.
وأوضح أن الحرب الروسية في أوكرانيا غيّرت بصورة عميقة البيئة الأمنية التي عملت ألمانيا في إطارها لعقود، وأسقطت العديد من الافتراضات التي قامت عليها السياسة الدفاعية الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة.
وأشار هانفيلد إلى أن ألمانيا أصبحت اليوم أكبر داعم أوروبي لأوكرانيا، مؤكدًا أن التزام برلين بتعزيز قدراتها العسكرية لا يمثل إجراءً مؤقتًا، بل خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد يرتبط بشكل وثيق بمستقبل حلف الناتو وأمن القارة الأوروبية.

وأضاف أن ألمانيا ترى في بناء قوة عسكرية أكثر جاهزية وكفاءة جزءًا من مسؤوليتها تجاه الحلف وشركائها الأوروبيين.
ويمثل هذا التحول نقطة مفصلية في التاريخ الألماني الحديث، إذ ارتبطت السياسة العسكرية للبلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بمبدأ ضبط النفس والاعتماد على الدفاع الجماعي ضمن إطار الناتو.
وبعد انضمام ألمانيا الغربية إلى الحلف عام 1955، تم بناء الجيش الألماني باعتباره جزءًا من المنظومة الدفاعية الغربية، بينما استمرت برلين لعقود في الاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية.
إلا أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022 دفع القيادة الألمانية إلى إعادة تقييم هذا النهج، فيما وصفه المستشار السابق أولاف شولتس آنذاك بـ"نقطة التحول"، وهي الرؤية التي يسعى المستشار الحالي فريدريش ميرز إلى ترجمتها إلى برنامج طويل الأمد لإعادة بناء القوة العسكرية الألمانية.
في المقابل، يأتي هذا التحرك العسكري الطموح في ظل أجواء من التوتر السياسي بين برلين وواشنطن. فقد تصاعدت الخلافات بين ميرز وترامب عقب انتقادات وجهها المستشار الألماني للسياسة الأمريكية تجاه إيران، معتبرًا أن واشنطن تتعرض لضغوط وإحراج في مفاوضاتها مع طهران.
ورد ترامب بانتقادات حادة لميرز، متهمًا إياه بالتساهل تجاه البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تمتد الخلافات إلى ملفات مرتبطة بحلف الناتو ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا.
وفي هذا السياق، حذر الأدميرال الأمريكي المتقاعد مارك مونتغمري من أن استمرار هذه التوترات قد يؤثر سلبًا على التنسيق الأمني بين البلدين، لا سيما فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بنشر أنظمة التسليح بعيدة المدى في أوروبا.
وأشار إلى أن ألمانيا ما زالت بحاجة إلى شراكة استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن الخلافات السياسية يجب ألا تنعكس على المصالح الأمنية المشتركة.
ورغم هذه التحديات، يرى خبراء الدفاع أن تعزيز القدرات العسكرية الألمانية يمثل مكسبًا استراتيجيًا لحلف الناتو بأكمله. وأكد مونتغمري أن ألمانيا تمتلك المقومات الاقتصادية والصناعية التي تؤهلها لتصبح المحرك الرئيسي لقاعدة الصناعات الدفاعية الأوروبية خلال السنوات المقبلة، متوقعًا أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير القدرات العسكرية للقارة.
وتسير برلين بالفعل بخطوات متسارعة لتحقيق هذا الهدف. فخلال قمة الناتو التي عقدت في لاهاي عام 2025، وافقت الدول الأعضاء على رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وأعلن هانفيلد أن ألمانيا تعتزم بلوغ هذا المستوى قبل الموعد المحدد، مع خطط لتجنيد نحو 100 ألف جندي إضافي في الخدمة الفعلية، بما يعزز جاهزية القوات المسلحة الألمانية وقدرتها على الاستجابة للتحديات الأمنية المستقبلية.
كما كشف السفير الألماني أن بلاده أبرمت أكثر من 380 عقدًا دفاعيًا مع شركات أمريكية بقيمة تتجاوز 33 مليار دولار، تشمل شراء وتصنيع طائرات مقاتلة ومروحيات وأنظمة دفاع جوي وذخائر متطورة، في خطوة تعكس استمرار التعاون العسكري الوثيق بين ضفتي الأطلسي رغم الخلافات السياسية.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول أيضًا إنشاء لواء ألماني دائم في ليتوانيا يضم نحو 5 آلاف عسكري ومدني، ومن المتوقع أن يصبح جاهزًا بالكامل خلال السنوات الثلاث المقبلة لحماية الجناح الشرقي للناتو في منطقة البلطيق.
وتؤكد برلين أن هذه الخطوة تمثل رسالة واضحة لحلفائها بأن الدفاع عن أراضي حلف الناتو سيظل التزامًا ثابتًا لا يقبل المساومة، في وقت تتجه فيه أوروبا إلى لعب دور أكبر في أمنها الجماعي، مع الحفاظ على الطابع العابر للأطلسي الذي يشكل جوهر حلف الناتو منذ تأسيسه.