سياسة

تاجر الذهب وعقلية الجماعة في تركيا

الثلاثاء 2017.12.5 10:51 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 610قراءة
  • 0 تعليق
يوسف الشريف

محزن ومؤسف ومحرج ما يصدر عن تاجر الذهب التركي -إيراني الأصل- رضا ضراب من اعترافات أمام محكمة في نيويورك، في قضية "التحايل على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران" وغسيل الأموال الإيرانية، وهي اعترافات طالت الكثير من المسؤولين الأتراك وعلى أعلى مستوى بقبول رشى مالية بالملايين، مقابل تسهيل مهمته، وتحويل تركيا إلى "مقدم خدمات" لإيران وإنقاذها من الضغوط التي كان يفرضها الغرب بسبب برنامجها النووي المشبوه.

يجب أولا التذكير بأن الضغوط الغربية على طهران لا تتعارض مع مصالح أنقرة، بل على العكس تصب في مصلحة تركيا العليا، خصوصا أن مجلس الأمن القومي التركي يعتبر حصول إيران على قنبلة نووية خطاً أحمر وتهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، وبالتالي فإن أي ضغوط غربية على إيران لإجبارها على توقيع اتفاقية تمنعها من إنتاج قنابل نووية هو في مصلحة تركيا العليا، ويتقدم على أي مصلحة تجارية محدودة مع طهران. 

لذا فإنه وإلى جانب اتهامات الرشوة والفساد التي تعصف بالحكومة الآن، هناك سؤال مهم يتجاهله كثيرون، هو لماذا تصرفت الحكومة التركية بشكل يتعارض مع مصالح الدولة العليا، وساعدت طهران على خرق العقوبات الغربية، رغم تأكيد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما حينها صراحة لأنقرة ضرورة عدم خرق تلك العقوبات من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي مع طهران حول برنامجها النووي؟. 

كثيرون في تركيا يتحدثون عن "طمع" المسؤولين الذين أغراهم رضا ضراب برشاوى ضخمة تجاوزت وفق اعترافاته الخمسين مليون يورو، فيما تطالب طهران – وهذه مفارقة ساخرة -بمبلغ 2 مليار دولار تقول إن صراف وشركاه من المسؤولين الأتراك قد "استولوا عليه" من خلال تلك الصفقات. فيما تحاول الحكومة التغطية على الموضوع من خلال مداعبة المشاعر القومية بالقول إن مصلحة تركيا كانت بالتجارة مع إيران واستيراد الغاز والنفط، وأن مصالح الغرب ليس لها الأولوية، متناسين تماماً ما ذكرناه أعلاه حول خطر المشروع النووي الإيراني.

تحولت قضية رضا ضراب إلى ورقة قوية بيد واشنطن تضغط بها على أنقرة حالياً، كما تحولت إلى قضية رأي عام نسفت الصورة التقليدية التي حاول حزب العدالة والتنمية رسمها لنفسه كحزب "متدين محافظ" لا يمكن أن يصيبه مرض الفساد المالي الذي استشرى في غيره من الأحزاب السياسية.

الواقع هو أن "عقلية الجماعة" التي حكم بها حزب العدالة والتنمية تركيا هي السبب في هذا الأمر، فالحزب الذي قال إنه تخلى عن أفكار "الجماعات الإسلامية" وتحول إلى حزب يميني محافظ منذ جاء إلى الحكم عام 2002، عمل -على العكس من ذلك القول- على إضعاف مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والدوائر البيروقراطية وسيادة القانون، من أجل سيطرته الكاملة على الدولة، وهذه العقلية هي التي دفعت الحزب أيضا للتحالف مع جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن الذي صدر بحقه حكم قضائي بمحاولة قلب نظام الحكم من خلال تغلغل جماعته في مؤسسات الدولة، والعمل على إسقاط النظام الجمهوري العلماني والعمل على إنشاء حكم إسلامي في تركيا، وجماعة غولن التي تسمي نفسها بجماعة الخدمة لا تختلف عن أي جماعة من جماعات "الإسلام السياسي" وتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، فعناصر الجماعة لا يدينون بالولاء للدولة بل لأمير الجماعة فقط، ويستخدمون أسلوب "التقية" من أجل إخفاء نواياهم الحقيقية، ويتغلغلون في مؤسسات الدولة – خصوصا الأمن والقضاء والتعليم والجيش - من أجل تحقيق هدفهم. 

وقد ساعدت هذه الجماعة حزب العدالة والتنمية على تحقيق هدفه أيضا من خلال كسر شوكة الجيش ووصايته على السياسة في تركيا، من خلال تلفيق قضايا "المخططات الانقلابية"، وعندما طالبت الجماعة الرئيس رجب طيب أردوغان بمشاركته السلطة في تركيا وطلبت السيطرة على جهاز المخابرات، وقع الصدام بين الطرفين، بعد أن ظنا أنهما حققا هدفيهما، وأن تركيا باتت بكل أجهزتها ومؤسساتها خاضعة لهما دون أي شريك. 

لذا قامت الجماعة بكشف ملفات الفساد للحكومة انتقاماً من أردوغان الذي حاول أن يقلّم أظافرها بعد أن استشعر أن هدفها ليس مساعدته في هدفه وإنما مشاركته في قطف ثماره، ومن بين ملفات الفساد التي كشفتها الجماعة كانت قضية الرشاوى التي قدمها رضا صراف، والتي لفتت أنظار واشنطن، التي تلقفت طرف الخيط وبدأت منذ عام 2013 بالتحقيق في صمت في هذه القضية حتى خرجت إلى العلن اليوم بعد إلقاء القبض على رضا ضراب أثناء زيارته لأميركا العام الماضي. 

عقلية الجماعة التي يعمل بها حزب العدالة والتنمية، التي دفعته للتعاون مع "جماعة إسلامية" أخرى لتهميش وإضعاف مؤسسات الدولة، هي نفسها العقلية التي صورت له أن التعاون مع إيران أمر جائز من باب "التعاون بين القوى الإسلامية ضد الغرب المسيحي".

عقلية "الجماعة" تدفع المسؤول لتقديم المصلحة الأيديولوجية على المصلحة العامة العليا للدولة في كثير من الأحيان، كما أنها تلغي في تفكيره وجود أي رأي آخر يتعارض مع أفكاره، سواء كان هذا رأياً للمعارضة أو لمؤسسات الدولة وجهازها البيروقراطي أو حتى قانون يحول دونه ودون تنفيذ أفكاره الخاصة أو مصلحته، فيتجاوز القانون ويهمّش أي رأي مخالف أو معارض، ليقع بعد ذلك في أزمة دون أن ينتبه إلى ذلك، ويمكن القياس هنا على سياسات تركيا الخارجية فيما يتعلق بمصر وسوريا وليبيا، حيث تم تغليب مصلحة "الجماعة" ودعم تنظيم الإخوان، على مصلحة الجمهورية التركية العليا، خلال أحداث ما سمي بالربيع العربي، وهي التي تدفع للتقارب مع طهران والتحالف مع الدوحة ولو على حساب المصلحة العليا. 

في النهاية تحولت قضية رضا ضراب إلى ورقة قوية بيد واشنطن تضغط بها على أنقرة حالياً، كما تحولت إلى قضية رأي عام نسفت الصورة التقليدية التي حاول حزب العدالة والتنمية رسمها لنفسه كحزب "متدين محافظ" لا يمكن أن يصيبه مرض الفساد المالي الذي استشرى في غيره من الأحزاب السياسية، وفي النهاية يدفع الاقتصاد التركي ثمن هذه الأخطاء، خصوصاً في حال انتهت القضية إلى فرض عقوبات على البنوك التركية المتورطة في القضية.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات