مع كل أزمة تمر بالعالم العربي يتصاعد الحديث عن دور جامعة الدول العربية في حل تلك الأزمات بشكل عملي وفعلي، ولكن ينتهي حديث أبنائه أنه دور فاشل وغير قادر على مواكبة التحديات.
يصل هذا الحديث أو التقييم في حالة الغضب إلى أنه لا فائدة من وجود هذه الجامعة؛ التي يعتبر البعض أنها منطقة استراحة السياسيين المتقاعدين في الدول العربية، وبالتالي على العرب التخلص منها على وجه السرعة دون أي تأخير.
شعور التخلص من الجامعة العربية زاد خلال هذه الفترة بعدما عجزت الجامعة عن إصدار بيان مشترك يُدين العدوان الإيراني الغاشم على الدول الخليجية والأردن وهم من الأعضاء الفاعلين فيها، وهي من الدول التي كانت لها مواقف تاريخية في دعم القضايا العربية.
بل خرجت بعض التصريحات التي تقلل من حالة العدوان الإيراني من قبل شخصيات سياسية ترأست يوماً ما جامعة الدول العربية والتي أعطت إشارة إلى أن التأثير الفكري لمثل هذه الشخصيات المحسوبة على العهد الناصري الذي تسبب في العديد من الكوارث العربية؛ لا يزال موجودا ليس في الشارع العربي وإنما الجامعة العربية نفسها.
ما زاد الطين بلة، أن تتم المفاضلة في هذه اللحظة الحرجة بين الخطر الإسرائيلي والخطر الإيراني مع أن الواضح أن حالة العدوان تأتي من إيران وهذا من أبسط أبجديات العلاقات الدولية من الناحية الواقعية التي تقيم العلاقة بالأفعال والسلوك وليس الأقوال فمن اعتدى على الدول الخليجية هي إيران وليس إسرائيل وبالتالي فالأمر لحظياً محسوم.
ينبغي الوقوف على الغضب الخليجي من عمل جامعة الدول العربية خلال هذه الحرب، وعدم ترك هذا الغضب يمر مرور الكرام؛ لأنه ألقى حجرة كبيرة في "الماء العربي الراكد" لإصلاح عمل الجامعة وإنعاشها قبل إعلان "حالة الوفاة". لأنه ليس من مصلحة أي طرف عربي التخلي عنها أو إلغائها على الأقل لسببين اثنين هما.
السبب الأول: علينا نفهم أن نظام العمل السياسي المتعدد أو ما يعرف بالشراكات السياسية يعتبر هو الأفضل أو الأنجح في النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أثبتت التنظيمات الإقليمية نجاحا في استقرار الإقليم ومعالجة قضاياها بعيداً عن التأثيرات الدولية ويعتبر الاتحاد الأوروبي وكذلك منظمة الاتحاد الأفريقي من أنجح التنظيمات في حل الأزمات الإقليمية والتعاون وحتى منظمة مجلس التعاون الخليجي يذكر له مواقف شجاعة في عدد من القضايا التي تخص دوله أبرزها تحرير الكويت من الغزو العراقي وبالتالي فإن منظمة مثل جامعة الدول العربية بإمكانها النجاح في حالة تمت مراجعة طريقة عملها وطريقة إدارتها والتنسيق فيها وعدم المجاملة فالمسألة ليست رفاهية سياسية بقدر ما هي حاجة للحفاظ على العمل العربي فالتحديات القادمة تبدو أكبر.
أما السبب الثاني: مازالت الجغرافيا السياسية تتحكم في مساحات تحرك الدول وفاعليتها رغم كل التغيرات الحاصلة في طريقة التعاون الدولي ولكن الجوار الجغرافي يعطي قوة للدول المتعاونة. فإيران على سبيل المثال منطقياً وسياسياً لا يمكنها أن تتعامل مع العالم الخارجي دون أن تكون علاقتها بإقليمها الخليجي والعربي طبيعية ووفق الأعراف الدولية مع قدرة الدول الخليجية أن تخنق الرئة الاقتصادية الإيرانية إذا ما اتخذت إجراءات عقابية عليها وهذا الأمر ينطبق تماما على العمل العربي المشترك.
ما أريد قوله إن الدول الخليجية جزء من الجغرافيا العربية وهي تمثل نظاما سياسيا إقليميا موحدا، وقد أنشئت على هذا الأساس قبل سبعة عقود، وللخروج من هذه المنظومة لا بد من البحث عن بديل للتعاون وفق هويتك الثقافية قبل الدينية.
الغائب في جامعة الدول العربية هو تشخيص عملها ونقده ومراجعة نظامها بعد العديد من عمليات الفشل في ترجمة النصوص التي وضعتها في مرحلة التأسيس، على أن تكون المراجعة صريحة وجادة وإلا ستكون النتيجة الفشل. والغائب في العمل العربي عدم "المكاشفة" من أجل الحاجة إلى تعديل طبيعة اتخاذ القرار فيها لتتناسب وحالات التغيير الحاصلة. والغائب أيضاً عدم القدرة على تجديد الفكر السياسي الذي يدير هذه الجامعة وكأن لا بد من يشغل منصب الأمين العام أن يكون من دولة المقر وهي مصر، وكأن الدول الأخرى عجزت أن توفر من يقوم بهذا الدور. مثل هذه النقاط لا بد من طرحها قبل التفكير في إلغاء الجامعة أو الخروج منها.
الأمل المنعقد على تأسيسها كان في توفير الحماية للأمن القومي العربي بكل تنوعاته (الأمن العسكري، والغذائي، والاجتماعي.. إلخ) ولكن في الحقيقة كانت الجامعة في كل الأزمات التي مرت على العرب تقف "مشلولة" وعاجزة عن اتخاذ مواقف حقيقية.
هذا التقييم على الجامعة العربية ينطبق أيضاً على باقي المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي، والمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة إلا في حالتين وهذا أمر مهم جداً. الحالة الأولى: عندما توجد الدولة القائد التي تستطيع أن ترى مصلحة الأعضاء برؤية أوسع وأكبر من باقي الأعضاء فعلى سبيل المثال بريطانيا لعبت دوراً كبيراً في قيادة دول الاتحاد الأوروبي في الحرب ضد الإرهاب بالتعاون مع الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق على خلاف الحال في الحرب الحالية مع إيران. الحالة الثانية: أنه لا بد من تحديد مصادر التهديد لكل أعضاء المنظمة مع وجود التزام أخلاقي لكل الأعضاء للوقوف ودعم أي عضو يجد أو يشعر بالخطر، ما يحصل بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي خير مثال مع أن أوكرانيا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي.
إعادة الثقة في العمل العربي ضرورية ومهمة في ظل التغيرات الكبيرة التي ستشهدها المنطقة حيث يتطلب من العمل العربي القدرة على الاستجابة للتحديات المتوقعة بدلا من أن تكون الدول العربية هامشية لهذا تكون الدعوة إلى إصلاح الجامعة أفضل من إلغائها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة