النفوذ مقابل السيادة.. اختبار جديد للدور الأمريكي في هايتي
في إطار ما يُعرف بـ"دبلوماسية السفن الحربية"، أرسلت الولايات المتحدة سفنا حربية إلى هايتي.
ومطلع الأسبوع الماضي، وصلت سفن حربية أمريكية وزوارق تابعة لخفر السواحل إلى سواحل بورت أو برانس، حسبما أكدت السفارة الأمريكية في هايتي، في حين تصاعدت التوترات مع انتهاء ولاية المجلس الرئاسي الانتقالي في هايتي في 7 فبراير/شباط الجاري.
وانتهت الولاية في ٧ فبراير/شباط الجاري، مما أبقى رئيس الوزراء المدعوم من الولايات المتحدة، في السلطة.
ويعتقد الخبراء أن إرسال السفن الحربية كان استعراضًا للقوة من واشنطن، لإظهار استعداد الولايات المتحدة لفرض نفوذها، ما يشجع المجلس على التنحي، وهو ما حدث.
ووفقا لموقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت" فهذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تفرض فيها الولايات المتحدة سيطرتها على السياسة في هايتي، ولكن في ظل استمرار معاناة البلاد من عنف العصابات والفساد والفقر، يتساءل الكثيرون عن مدى فعالية هذا التدخل الأمريكي الأخير.
ويتردد أن نحو 90% من العاصمة بورت أو برانس يخضع لسيطرة العصابات، وفي عام 2025 وحده، أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل ما يقرب من 6000 شخص وإصابة الآلاف بجروح جراء عمليات الخطف والهجمات، في حين يعاني ما يقرب من نصف السكان حاليًا من جوع حاد، ومع بقاء مصير الانتخابات المقبلة معلقًا، يخيم جو من عدم اليقين على البلاد.
وأشار "ريسبونسيبل ستايت كرافت" إلى أن المجلس الرئاسي الانتقالي الذي أسهمت واشنطن في تشكيله في أبريل/نيسان 2024 كان من المفترض أن يكون كيانًا مؤقتًا لممارسة الصلاحيات الرئاسية إلى حين انتخاب رئيس جديد أو انتهاء ولاية الرئيس الحالي.
وتأسس المجلس الرئاسي الانتقالي عقب سلسلة من الأحداث السياسية غير المسبوقة التي أعقبت اغتيال الرئيس الهايتي جوفينيل مويس عام 2021، مما أدى إلى فراغ في السلطة.
وفي ظل غياب برلمان فاعل، ادعى رجلان السلطة في هايتي، مما أدى إلى حالة من الفوضى العارمة وفي النهاية تولى أحدهما، أرييل هنري، زمام الأمور فحكم البلاد دون مؤسسات منتخبة وسط تصاعد عنف العصابات وتراجع سلطة الدولة.
وفي ذلك الوقت تدخلت الولايات المتحدة ومؤسسات دولية أخرى لتشكيل المجلس الرئاسي الانتقالي، الذي شغل منصب رئيس الدولة حتى وقت قريب.
ونهاية الأسبوع الماضي، استقال المجلس الرئاسي بعد ضغوط سياسية مكثفة من الولايات المتحدة، وذلك بعد أيام قليلة من وصول سفن أمريكية إلى خليج بورت أو برانس.
جاء ذلك بعدما واجه تصويت المجلس على عزل رئيس الوزراء أليكس ديدييه فيلس-إيمي رد فعل حاسم من الولايات المتحدة، التي تنظر إلى الرجل كحليف محتمل وقوة استقرار في مواجهة عنف العصابات.
ورغم أن أعمال العنف التي تفشت بين العصابات حالت دون إجراء الانتخابات الرئاسية في هايتي في السابع من فبراير/شباط كما كان مُخططًا له فإنه من المتوقع الآن أن يبقى فيلس-إيمي، المدعوم من واشنطن، في السلطة، في حين تستعد البلاد لإجراء انتخابات عامة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
وذكر بيان صادر عن السفارة الأمريكية أن وجود سفن حربية أمريكية قبالة سواحل البلاد في الأيام الأخيرة "يعكس التزام الولايات المتحدة الراسخ بأمن واستقرار ومستقبل أفضل لجمهورية هايتي"، وأنه يهدف إلى إعادة تأكيد "الشراكة والدعم" و"ضمان هايتي أكثر أمانًا وازدهارًا".
لكن الخبراء يرون أن وجود السفن يبعث برسالة أقوى يمكن تفسيرها على أنها إظهار للدعم لفيلس-إيمي للبقاء في السلطة، وتهديد في حال عدم تمكنه من ذلك، ووصف روبرت فاتون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرجينيا السفن بأنها "استعراض للقوة".
ويعتقد كريستوفر فيتويس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تولين، أن الهدف من هذه السفن كان إعطاء "دفعة نفسية للمرحلة الانتقالية".
وقال جيك جونستون، مدير الأبحاث الدولية في مركز أبحاث السياسات الاقتصادية "إنها رسالة مفادها أن الولايات المتحدة تولي اهتمامًا للأمر ومستعدة لاستخدام نفوذها متى شاءت".
وأضاف: "هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تقول: نحن نقر بما قررتموه.. وإنما تقول: هذا ما يجب أن تقرروه، ولن نعترف إلا به".
وتابع: "لطالما كان للولايات المتحدة نفوذ والسؤال هو ما مدى استعدادها لممارسة هذا النفوذ لتحقيق نتيجة محددة؟ وبهذا، توضح الحكومة الأمريكية استعدادها التام للقيام بذلك".
وبحسب المدير التنفيذي لمعهد العدالة والديمقراطية في هايتي، برايان كونكانون، فإن الولايات المتحدة كانت قوة رئيسية وراء جهود قوة قمع العصابات التابعة لمجلس الأمن الدولي، التي تهدف إلى ضبط العصابات والحد منها في هايتي.
وقال كونكانون: "على مدى 200 عام، دأبت السفن الحربية الأمريكية على دخول خليج بورت أو برانس لفرض قراراتها بشأن من يحكم هايتي.. وعلى مر تاريخ هايتي، فرضت السفن الحربية الأمريكية إملاءات الولايات المتحدة".
وبعد العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا، قال جونستون إن التهديد الأمريكي بالتدخل في هايتي بات أكثر مصداقية.
ورغم الإعلان عن مواعيد مبدئية للانتخابات ما بين أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول، يعتقد الكثيرون أنه من غير المرجح إجراء أي انتخابات هذا العام.
فعلى الرغم من الجهود الأخيرة التي بذلتها قوات شرطة الأمم المتحدة المعززة وشركات الأمن الخاصة للتصدي لانتشار العصابات، فإن العنف لا يزال مستمرا مما يعرقل جهود إجراء الانتخابات.
وقال فاتون: "لا أعتقد بالضرورة أن التدخل الأمريكي سيحل الأزمة.. بل على العكس، خلفت معظم التدخلات في الأربعين أو الخمسين عامًا الماضية خسائر في الأرواح.. إذا لم يكن أبناء هايتي هم من يديرون شؤونهم، فلا أعتقد أن هايتي ستغير واقعها".