المخدرات المهلوسة.. هل يمكنها تغيير شخصيتك وحياتك بالكامل؟
لم تعد الأبحاث العلمية حول المخدرات المهلوسة تقتصر على دراسة قدرتها على تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق وبعض الاضطرابات النفسية.
بدأت الدراسات تتجه إلى سؤال أكثر عمقًا وإثارة: هل تستطيع المخدرات المهلوسة أن تغيّر شخصية الإنسان وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة؟
وتشير دراسة حديثة إلى أن الإجابة قد تكون نعم، إذ وجد الباحثون أن استخدام بعض المواد المهلوسة، مثل السيلوسيبين (المادة الفعالة في بعض أنواع الفطر السحري)، وLSD، وآياهواسكا، لا يؤثر فقط في الصحة النفسية، بل قد يدفع كثيرًا من الأشخاص إلى اتخاذ قرارات مصيرية تغير مجرى حياتهم بالكامل.
من العلاج إلى إعادة تشكيل الشخصية
شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا كبيرًا في الأبحاث التي تدرس استخدام المخدرات المهلوسة داخل العيادات وتحت إشراف طبي لعلاج بعض الاضطرابات النفسية، بعد أن ارتبطت لعقود بالطقوس التقليدية والثقافات المضادة في ستينيات القرن الماضي.
ورغم أن معظم الدراسات ركزت على قياس تحسن أعراض الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، فإن علماء النفس يرون أن هذه المقاييس لا تكشف الصورة الكاملة.
ويقول الباحثون إن هناك تغييرات أعمق قد تحدث بعد التجربة، مثل تغيير المعتقدات، أو إعادة تقييم الأولويات، أو تعديل نمط الحياة، وهي أمور لا تُقاس عادة في التجارب السريرية.
83% أجروا تغييرات كبيرة في حياتهم

وفي دراسة أجراها فريق بحثي بقيادة عالم النفس الدكتور جيك أداي من جامعة ميشيجان، شملت 581 شخصًا سبق لهم استخدام المخدرات المهلوسة، أفاد 83% منهم بأنهم أجروا تغييرًا كبيرًا واحدًا على الأقل في حياتهم بعد التجربة.
وشملت هذه التغييرات إعادة ترتيب الأهداف والقيم الشخصية، وتغيير العادات الغذائية، والانتقال إلى وظائف جديدة، وإجراء تغييرات في العلاقات الشخصية، بل وحتى تعديل بعض السلوكيات المرتبطة بالهوية الجنسية.
واللافت أن أقل من 1% فقط وصفوا هذه التغييرات بأنها كانت سلبية، بينما رأى معظم المشاركين أنها أثرت بشكل إيجابي في حياتهم.
وأوضح الباحثون أن الفكرة جاءت بعد سماع قصص متكررة لأشخاص قالوا إنهم، بعد تجربة الفطر السحري مثلًا، اكتشفوا أنهم لم يعودوا يرغبون في الاستمرار بوظائفهم، وقرروا تغيير مسار حياتهم بالكامل والاتجاه إلى أعمال أكثر توافقًا مع اهتماماتهم.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يحاول العلماء الآن فهم السبب الذي يجعل هذه المواد تحدث مثل هذه التغيرات العميقة.
وتشير الأبحاث العصبية إلى أن المخدرات المهلوسة تغير طريقة تواصل مناطق الدماغ مع بعضها البعض، خاصة من خلال تقليل النشاط الصارم في شبكة عصبية تُعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي"، وهي المسؤولة عن التفكير المرتبط بالذات والذكريات والتأمل الداخلي.

ويؤدي ذلك إلى زيادة الترابط بين مناطق مختلفة من الدماغ، ما يمنح الشخص طريقة جديدة لمعالجة الأفكار والمشاعر، وقد يفتح الباب أمام إعادة تقييم معتقداته ونظرته إلى نفسه والعالم.
زيادة الانفتاح على التجارب الجديدة
وأظهرت عدة دراسات أن الأشخاص الذين استخدموا مادة السيلوسيبين سجلوا ارتفاعًا ملحوظًا في سمة شخصية تُعرف باسم "الانفتاح على التجارب الجديدة"، وهي إحدى السمات الأساسية في علم النفس.
والأكثر إثارة أن هذا التغير قد يستمر لمدة تصل إلى عام كامل بعد التجربة، ما يشير إلى أن التأثير لا يقتصر على الساعات التي يكون فيها الشخص تحت تأثير المادة.
ويرى الباحثون أن هذا الانفتاح المتزايد قد يفسر سبب استعداد بعض الأشخاص لاتخاذ قرارات مصيرية، مثل تغيير الوظيفة أو إنهاء علاقات أو تبني أسلوب حياة مختلف.
تغيير المعتقدات ونظرة الإنسان للعالم
كما وجدت أبحاث أخرى أن استخدام المخدرات المهلوسة يرتبط بتغيرات في المعتقدات الفلسفية والدينية لدى بعض الأشخاص.
فقد أظهرت استطلاعات أن مستخدمي هذه المواد يصبحون أقل تمسكًا بالنظرة المادية البحتة للعالم، وأكثر انفتاحًا على أفكار فلسفية تعتبر أن الوعي قد يكون موجودًا بدرجات مختلفة في جميع عناصر الطبيعة.
كما لاحظ الباحثون أن هذه الأفكار تشبه إلى حد كبير المعتقدات السائدة لدى بعض الشعوب الأصلية في منطقة الأمازون، التي تستخدم مشروب "آياهواسكا" ضمن طقوسها الدينية والثقافية منذ قرون.

شعور أكبر بمعنى الحياة
وأشارت دراسات أخرى إلى أن المخدرات المهلوسة قد تمنح بعض الأشخاص شعورًا أقوى بالهدف والمعنى في الحياة، خاصة لدى من كانوا يعانون من نظرة سلبية مزمنة لأنفسهم أو للمستقبل.
ويرتبط هذا التأثير غالبًا بتجارب يصفها المشاركون بأنها "روحانية" أو تتضمن ما يعرف بـ"ذوبان الأنا"، حيث يشعر الشخص مؤقتًا بتراجع الإحساس بذاته الفردية، وهو ما قد يدفعه إلى إعادة النظر في أولوياته وعلاقاته وطريقة تعامله مع الحياة.
هل يعني ذلك أنها مفيدة للجميع؟
ورغم النتائج الواعدة، يحذر الباحثون من تفسيرها على أنها دعوة لاستخدام هذه المواد.
فمعظم الدراسات أُجريت في بيئات بحثية خاضعة لرقابة طبية دقيقة، وتحت إشراف متخصصين، كما أن لهذه المواد مخاطر وآثارًا جانبية قد تكون خطيرة لدى بعض الأشخاص، خاصة إذا استُخدمت خارج الإطار الطبي أو لدى من يعانون من اضطرابات نفسية معينة.
ويؤكد الباحثون أن المجال لا يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم الفوائد والمخاطر طويلة المدى، وتحديد الأشخاص الذين قد يستفيدون من هذا النوع من العلاج دون التعرض لمضاعفات.
أكثر من مجرد علاج نفسي
ويخلص الباحثون إلى أن قيمة هذه المواد، إذا استُخدمت طبيًا وبصورة آمنة، قد لا تقتصر على تخفيف أعراض الأمراض النفسية، بل ربما تمتد إلى مساعدة بعض الأشخاص على إعادة اكتشاف أنفسهم وتغيير أنماط حياتهم بصورة إيجابية.
كما تشير النتائج إلى أن المشاركين غالبًا ما تحدثوا بعد التجربة عن زيادة شعورهم بالامتنان، وتقدير الطبيعة، والاستمتاع بالفنون، وتحسن علاقاتهم الاجتماعية، وهي تغيرات يصفها العلماء بأنها "مؤشرات إيجابية على تعزيز جودة الحياة".
ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن هذه النتائج لا تعني أن المخدرات المهلوسة تمثل حلًا سحريًا أو مناسبة للجميع، وإنما تفتح بابًا جديدًا لفهم كيفية تأثير الدماغ في تكوين الشخصية، وكيف يمكن للعلاج النفسي الحديث أن يتطور مستقبلًا بالاعتماد على أساليب علمية دقيقة وتحت إشراف طبي متخصص