وكلاء إيران والحرب.. صراع يفضح نقاط الضعف ويرسم مستقبلا «قاتما»
بينما تحتفظ إيران بشبكة واسعة من الجماعات الوكيلة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ظل دور هذه الجماعات حتى الآن هامشيًا نسبيًا
في الصراع الجاري.
ولطالما اعتمدت طهران على المليشيات والجماعات المسلحة الحليفة في المنطقة لتوسيع نفوذها، فمن خلال شبكة من الفاعلين غير الحكوميين، تستطيع إيران مضايقة خصومها بصورة غير مباشرة، والتأثير في مسارات الصراعات، والتدخل في شؤون الدول الأخرى.
ويُعرف هذا النظام من الوكلاء – الذي يصفه النظام الإيراني بـ«محور المقاومة» – بأنه يضم جماعات في لبنان والعراق واليمن وغيرها. وبعد إطلاق عملية «الغضب الملحمي»، تحركت هذه الشبكة على عدة جبهات، لكن بدرجات متفاوتة من النشاط والتأثير.
فما مستقبل «محور المقاومة»؟
يقول موقع «ذا ناشيونال إنترست»، إن عملية «الغضب الملحمي» أحدثت اضطرابًا ملحوظًا في هيكل القيادة التقليدي لشبكة الوكلاء الإيرانية. فقد أدت عمليات اغتيال قادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني إلى إضعاف التنسيق المركزي بين هذه الجماعات.
ونتيجة ذلك، بدأت بعض الفصائل تعمل بقدر أكبر من الاستقلالية، في نمط وصفه بعض المحللين بـ«الدفاع الفسيفسائي»، حيث يتخذ القادة المحليون قراراتهم الميدانية دون إشراف مباشر من طهران.
ورغم أن نظام الوكلاء لا يزال أداة قوية في يد إيران، فإن الصراع الجاري كشف أيضًا عن نقاط ضعف واضحة، مثل الاعتماد الكبير على التمويل والدعم اللوجستي الإيراني، والقيادة المركزية، وضعف تنوع سلاسل الإمداد في حال تعرضها للاضطراب.
ومع ذلك، تظل هذه الشبكة قائمة، ما يعني أن إيران ستحاول الاحتفاظ بقدرتها على بسط نفوذها، وإحكام قبضتها على تلك العناصر.
لكن.. لماذا أنشأت إيران «محور المقاومة»؟
تعود جذور استراتيجية الوكلاء الإيرانية إلى ما بعد 1979، حين سعت طهران إلى تصدير أيديولوجيتها الثورية ومواجهة النفوذ الغربي.
وتولى الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما وحدة النخبة التابعة له فيلق القدس، مسؤولية بناء هذه الشبكة من العلاقات مع الجماعات المسلحة والحفاظ عليها. فمنذ تأسيسه، صُمم الحرس الثوري ليكون قوة عسكرية موازية تهدف إلى نشر الأيديولوجيا الدينية للنظام الإيراني، أكثر من كونه قوة دفاع تقليدية عن الدولة. وليس من قبيل المصادفة أن اسم الحرس الثوري لا يتضمن كلمة «إيران».
ويشمل الدعم الإيراني للجماعات الحليفة عادة التمويل، وشبكات مالية سرية، ونقل الأسلحة، والتدريب العسكري، والدعم الاستخباراتي، إلى جانب التنسيق السياسي والأيديولوجي. وقد مكّن هذا النهج طهران من بسط نفوذها دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، ما يمنحها هامشًا للإنكار السياسي ويقلل – وإن لم يلغِ – خطر الرد العسكري الواسع عليها.
خريطة وكلاء إيران حسب الدول
أفغانستان وباكستان
قامت إيران بتجنيد مقاتلين من الأقليات الشيعية في أفغانستان وباكستان، ولا سيما من قومية الهزارة الشيعية في أفغانستان، التي مارست طهران عليها نفوذًا غير رسمي لفترة طويلة.
وتشكل هذه المليشيات العمود الفقري لـ«لواء فاطميون»، وهو تشكيل مسلح مدعوم من إيران استخدمته طهران كقوة شبه مرتزقة. وقد قاتل عناصره في سوريا دعمًا للرئيس السابق بشار الأسد، كما تشير تقارير إلى استخدامهم داخل طهران لقمع الاحتجاجات. ويوجد تشكيل مشابه يضم شيعة باكستانيين هو لواء زينبيون. وحتى الآن، لعبت هاتان الجماعتان دورًا محدودًا في عملية «الغضب الملحمي».
لبنان
يُعد حزب الله في لبنان أبرز وكلاء إيران وأكثرهم قوة وتنظيمًا. وقد تأسس في أوائل ثمانينيات القرن الماضي بدعم من الحرس الثوري ردًا على الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان ذي الغالبية الشيعية.
وتحوّل الحزب لاحقًا إلى قوة هجينة تجمع بين المليشيات المسلحة وقوات الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى جناح سياسي ممثل في البرلمان اللبناني.
ويُعتقد أن الحزب يمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ الموجهة أساسًا نحو إسرائيل. ومع بدء عملية «الغضب الملحمي»، أطلق الحزب عددًا من المسيّرات والصواريخ باتجاه شمال ووسط إسرائيل مستهدفًا منشآت عسكرية وقوات إسرائيلية.
العراق
في العراق، أدى ضعف السلطة المركزية في بغداد إلى ظهور عدد كبير من المليشيات الطائفية. وترتبط إيران بعلاقات وثيقة مع بعض هذه الفصائل ضمن إطار قوات الحشد الشعبي، وهو تحالف من التنظيمات الشيعية تشكل عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش.
وبعد هزيمة التنظيم ميدانيًا، حافظت هذه الفصائل على وجودها واكتسبت نفوذًا سياسيًا، كما أعادت بعض تشكيلاتها تنظيم نفسها تحت مسمى «المقاومة الإسلامية» في العراق. ورغم أنها تُدرج رسميًا ضمن القوات المسلحة العراقية، فإنها تعمل بقدر كبير من الاستقلالية ولا تخضع فعليًا لقيادة الحكومة في بغداد.
وتشمل تكتيكات هذه الجماعات عادة هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ واستهداف القواعد والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية. وردًا على عملية «الغضب الملحمي»، نفذت هجمات متكررة على مواقع أمريكية قرب أربيل وشمال العراق.
سوريا
واجهت إيران صعوبة في استعادة نفوذها في سوريا بعد سقوط حليفها القديم بشار الأسد. فالحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي قضى سنوات في قتال إيران ووكلائها، لا تبدي رغبة في تطوير علاقات وثيقة مع طهران.
بل إن بعض المحللين رجّحوا أن إيران حاولت في مطلع عام 2025 تحريك انتفاضة بين الطائفة العلوية – التي كانت تشكل العمود الفقري لنظام الأسد – ضد الحكومة الجديدة، لكن تلك المحاولة فشلت. ونتيجة لذلك، تراجع النفوذ الإيراني في سوريا إلى حد كبير.
اليمن
في اليمن، تدعم إيران مليشيا الحوثي التي تسيطر على مناطق واسعة من شمال البلاد. وقد طوّر الحوثيون قدرات متقدمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، كثير منها مستند إلى تصاميم إيرانية.
واستخدمت هذه الأسلحة سابقًا في استهداف منشآت نفطية في السعودية، وممرات الملاحة في البحر الأحمر، وسفن مرتبطة بإسرائيل. ومع ذلك، أبدت الجماعة قدرًا ملحوظًا من ضبط النفس منذ بدء عملية «الغضب الملحمي»، مكتفية حتى الآن بالمواقف الخطابية.