أستاذ كيمياء ليبي يكشف لـ«العين الإخبارية» مفاجأة حول أسرار تفاعل المكملات الغذائية
في خطوة علمية لافتة تعكس تطور البحث الكيميائي الليبي،نُشرت مؤخرا دراسة بمجلة"ساينتفيك ريبورتيز"، التابعة لدار النشر المرموقة "نيتشر".
تقدم الدراسة لأول مرة دليلًا فيزيائيا-كيميائيا قاطعا على وجود تفاعل غير متوقع بين فيتاميني "بي 1 " ( B1 ) وبي 6 (B6 ) عند دمجهما في تركيبات دوائية شائعة.
أُنجزت الدراسة على يد فريق بحثي من قسم الكيمياء بجامعة بنغازي بقيادة أستاذ الكيمياء الفيزيائية د. أشرف الحشاني، وجاءت ضمن أطروحة أول رسالة دكتوراه في الكيمياء تُنجز داخل ليبيا، أعدها الباحث هيثم أبو عيسي تحت إشراف د. الحشاني.

هذا الإنجاز لا يفتح فقط آفاقا جديدة لفهم التوافق الكيميائي في مستحضرات الفيتامينات المركبة، بل يطرح أيضا أسئلة علمية مهمة حول تأثير هذه التفاعلات على الفعالية الدوائية، ويؤكد في الوقت ذاته قدرة الجامعات الليبية على الإسهام في البحث العلمي العالمي من داخل البلاد. في هذا الحوار، نناقش مع قائد الفريق البحثي د. أشرف الحشاني خلفيات هذا الاكتشاف، ودلالاته العلمية والدوائية، وأهميته لمسار البحث الكيميائي في ليبيا.
- ما الجديد الذي أضافته دراستكم إلى ما كان معروفًا سابقًا عن فيتامينات B المركبة؟
الجديد الذي أضافته هذه الدراسة يتمثل في إثبات فيزيائي–كيميائي مباشر لحدوث تفاعل جزيئي حقيقي بين فيتامين "بي 1 " وفيتامين "بي 6 "، ففي الأبحاث العلمية السابقة، كان يُنظر إلى فيتامينات "بي" المركبة على أنها مواد مستقلة بيولوجيا لا يؤثر أحدها على الآخر إلا من حيث التكامل الوظيفي داخل الجسم، دون وجود دليل واضح على حدوث تداخل كيميائي مباشر بينها قبل الامتصاص.
- وما أهمية هذا الاكتشاف؟
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يُظهر أن الجمع بين الفيتامينات لا يعني بالضرورة بقاءها كيميائيا دون تغيير، كما أنه يفتح بابا جديدا لفهم سبب اختلاف فعالية بعض المكملات متعددة الفيتامينات مقارنة بتناول الفيتامينات بشكل منفصل، وأخيرا يسلط الضوء على ضرورة تقييم التركيب الكيميائي الفعلي للمكملات، وليس فقط مكوناتها الأسمية.
أربعة أدلة فيزيائية - كيميائية
- ما نوع الأدلة الفيزيائية–الكيميائية التي اعتمدتم عليها لإثبات حدوث هذا التفاعل، وكيف تؤكد تكون مركب جديد بالفعل؟
اعتمدت الدراسة على مجموعة متكاملة من الأدلة الفيزيائية–الكيميائية، أبرزها:
1- التحليل الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية–المرئية (UV–Vis)، حيث لوحظت تغيرات واضحة في منحنيات الامتصاص عند مزج فيتامين "بي 1 " مع " بي 6 " مقارنة بكل فيتامين على حدة، مما يشير إلى تغير في البيئة الإلكترونية للجزيئات.
2- ظهور نقاط تساوي الامتصاص (Isosbestic Points) ، وهو دليل قوي ومباشر على وجود اتزان كيميائي بين نوعين مختلفين (المتفاعلات والناتج)، مما يؤكد تكون مركب جديد مستقر نسبيا وليس مجرد تراكب طيفي.
3- تطبيق معادلة بنيسي–هيلدبراند ( Benesi–Hildebrand ) ومعادلات أخرى، والتي أظهرت وجود علاقة ارتباط محددة وقابلة للقياس، مما يثبت أن التداخل ليس عشوائيا بل يعتمد على قوة ترابط جزيئية حقيقية.
4- حساب طاقة جيبس الحرة (ΔG)، حيث دلت القيم السالبة لطاقة جيبس على أن التفاعل يحدث تلقائيا تحت ظروف التجربة.
وتؤكد هذه الأدلة مجتمعة بشكل لا يدع مجالا للشك أن ما يحدث هو تكون مركب كيميائي جديد وليس مجرد تفاعل ضعيف أو تأثير فيزيائي مؤقت.
نتائج معملية بحاجة لاستكمال
- هل تشير نتائجكم إلى أن تناول فيتاميني "بي 1 "و " بي 6 " معا، قد يقلل من فعاليتهما البيولوجية، أم أن الأمر مازال بحاجة لدراسات حيوية وسريرية؟
نتائج الدراسة لا تجزم بشكل مباشر بحدوث تقليل في الفعالية البيولوجية، لكنها تشير بقوة إلى هذا الاحتمال من منظور فيزيائي–كيميائي.
فبما أن التفاعل يؤدي إلى تغيير في التركيب الجزيئي، والقاعدة الأساسية في الكيمياء الدوائية تنص على أن تغير التركيب يؤدي إلى تغير الخواص وبالتالي الوظيفة، فمن المنطقي علميا افتراض أن (امتصاص المركب الجديد، تفاعله مع المستقبلات والإنزيمات، واستقلابه داخل الجسم) قد يختلف عن الفيتامينين في صورتهما الحرة.
ومع ذلك، فإن الحسم النهائي بشأن التأثير الإيجابي أو السلبي يتطلب دراسات حيوية ثم دراسات سريرية منظمة وستكون الخطة القادمة لاستكمال البحث.
- إلى أي مدى تعكس ظروف التجربة ما يحدث فعليًا داخل مكملات “Vitamin B complex” و“Tri B” المتوفرة في الأسواق؟
تعكس ظروف التجربة بشكل جيد المرحلة السابقة للامتصاص، أي ما قد يحدث داخل المحلول أو أثناء التخزين أو بعد ذوبان المكمل في الجهاز الهضمي.
فالمكملات الدوائية تحتوي على الفيتامينات في وسط مائي وتُخزن لفترات طويلة وقد تتعرض لتغيرات في درجة الحموضة ( pH ) والحرارة، وهي ظروف قريبة نسبيًا من ظروف التجربة المختبرية.
لكن يجب التنويه إلى أن الجسم البشري نظام معقد يحتوي على إنزيمات، بروتينات ناقلة، وبيئات دقيقة متعددة، لذا فإن التجربة تمثل نموذجا فيزيائيًا–كيميائيًا مبدئي مهما، لكنه لا يغني عن الدراسات الحيوية.
الخطوات القادمة بعد الاكتشاف
- هل تعتقد أن نتائج الدراسة تستدعي إعادة النظر في تصميم أو تركيب المكملات متعددة الفيتامينات مستقبلًا؟
نعم، وبدرجة كبيرة تشير نتائج هذه الدراسة إلى ضرورة عدم الاكتفاء بفكرة "الجمع الكمي" للفيتامينات، بل دراسة التوافق الكيميائي (Chemical Compatibility) بينها وقد تستدعي النتائج مستقبلًا الفصل بين بعض الفيتامينات في الصيغة الدوائية، - استخدام تقنيات تغليف (Encapsulation) تمنع التفاعل، تصميم مركبات جديدة أكثر استقرارا وفاعلية، وهذا يتماشى تمامًا مع مبادئ الكيمياء الدوائية الحديثة وتصميم الأدوية.

ما الخطوة البحثية القادمة بعد هذا الاكتشاف؟ وهل هناك خطط لدراسة التأثير الدوائي أو السريري للمركب الجديد؟
الخطوة البحثية القادمة، كما أشرت سابقا، تتمثل في التعاون مع كليات الطب البشري، الصيدلة، والكيمياء الحيوية لإجراء دراسات حيوية وسريرية لتقييم الفعالية الدوائية، الأمان والتوافر الحيوي للمركب الجديد.
كما تهدف المجموعة البحثية بقيادة البرفسور اشرف الحشاني إلى تطوير صيغة جديدة لفيتامينات "بي" المركبة، تكون أكثر أمانا و أكثر فاعلية، ومبنية على فهم علمي دقيق للتداخلات الكيميائية.
وما أود التأكيد عليه هو أن الدراسة لا تطرح مجرد ملاحظات طفيفة، بل تقدم أساسا علميا متينا يعيد طرح سؤال جوهري: هل كل ما نخلطه معا في مكمل غذائي يبقى آمنا وفعالا كما نفترض؟ وهو سؤال له أبعاد علمية، طبية، وصيدلانية عميقة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز