حرب الأعماق الصامتة.. كيف تصطاد الطائرات أخطر الغواصات؟
لم تعد مهمة طائرات مكافحة الغواصات تقتصر على التحليق فوق سطح البحر بحثًا عن أهداف يمكن رصدها بالعين أو بالرادار، بل تحوّلت في جوهرها إلى معركة سمعية معقّدة تُخاض في أعماق المحيطات.
ووفقا لمجلة "ناشيونال إنترست"، تعتمد هذه الطائرات اليوم على التقاط الإشارات الصوتية الصادرة عن الغواصات المعادية، وتحليلها بدقة لتحديد مواقعها المحتملة قبل اتخاذ أي إجراء عملياتي.
وتُعد الغواصات من أكثر المنصات العسكرية قدرة على البقاء والمناورة، إذ تستفيد من عمق المحيط وتعقيد البيئة الصوتية والطبقات الحرارية للمياه لتقليل احتمالات اكتشافها.
غير أن طائرات مكافحة الغواصات، بما توفره من سرعة وانتشار واسع وقدرة على تغطية مساحات شاسعة، تظل أداة فعّالة في مواجهتها.

ولا تقوم هذه المهمة على منصة واحدة أو جهاز استشعار واحد، بل على منظومة متكاملة تجمع بين الطائرات وأجهزة الاستشعار تحت الماء، حيث تلعب الطائرات دورًا محوريًا في الكشف والتتبع والملاحقة.
وتكمن أهمية الحرب الجوية المضادة للغواصات في صعوبة العثور على هذه الأهداف الخفية. فالغواصات العاملة بالديزل والكهرباء، على وجه الخصوص، تتميز بهدوئها الشديد عند السرعات المنخفضة، ما يجعلها فعّالة للغاية في المناطق الساحلية والمياه الضحلة.
أما الغواصات النووية، فتمتلك قدرة تحمّل غير محدودة، وإن كانت تصدر ضجيجًا أعلى نسبيًا، ما يعكس مقايضة بين التخفي والمدى العملياتي.
ورغم ذلك، فإن عمليات مكافحة الغواصات لا تهدف دائمًا إلى تدمير الهدف، بقدر ما تسعى إلى تقليص مساحة عدم اليقين وتقييد حركة الغواصات المعادية وإجبارها على العمل بحذر شديد.
وتشارك في هذه المهمة فئات متعددة من الطائرات. فطائرات الدوريات البحرية بعيدة المدى، مثل «بي-8 بوسيدون»، تحمل معدات استشعار ثقيلة وتغطي مساحات واسعة من المحيط.

وفي المقابل، تؤدي المروحيات المحمولة على حاملات الطائرات، مثل «إم إتش-60 آر سي هوك»، دورًا تكتيكيًا أقرب إلى مجموعات الهجوم البحرية، مع قدرة عالية على التحديد الدقيق للموقع والاشتباك.
وإلى جانب ذلك، برزت أنظمة الطائرات المسيّرة بوصفها طبقة إضافية متزايدة الأهمية، قادرة على توفير مراقبة مستمرة وطويلة الأمد.
وعلى عكس التصورات الشائعة، لا تقوم طائرات مكافحة الغواصات برصد الغواصات مباشرة. بل تعتمد على الكشف غير المباشر وتقليص دائرة البحث تدريجيًا. وتُعد عوامات السونار الأداة الأهم في هذا المجال، حيث تُسقط من الجو بنمط مدروس للاستماع إلى الأصوات الصادرة عن الغواصات الغاطسة أو لإرسال نبضات صوتية ترتد عن أجسامها.
وتلتقط العوامات السلبية ضوضاء المحركات وبصمات المراوح، بينما تستخدم العوامات النشطة الإرسال والاستقبال الصوتي. وتقوم الطائرات بمعالجة هذه البيانات على متنها، ودمج إشارات متعددة لتقدير موقع الغواصة بدقة متزايدة.
ولا تقتصر وسائل الكشف على الصوت وحده، إذ تلعب الأساليب غير الصوتية دورًا مكملًا. فأنظمة كشف المجال المغناطيسي قادرة، من مسافات قريبة، على رصد الاضطرابات التي يُحدثها هيكل الغواصة في المجال المغناطيسي للأرض، وإن كانت نتائجها غير مضمونة دائمًا.
كما يمكن للرادار، في ظروف معينة، اكتشاف آثار الأمواج السطحية أو اضطرابات المنظار. وغالبًا ما يتحقق النجاح من خلال دمج البيانات وتحليل الأنماط على مدى زمني، لا عبر لحظة كشف واحدة حاسمة.
وعند تأكيد موقع الغواصة، تستطيع الطائرات مهاجمتها باستخدام طوربيدات خفيفة، مثل «مارك 54»، تُلقى بالقرب من منطقة الهدف المفترضة، ثم تعتمد على أجهزة الاستشعار الخاصة بها لتتبع الغواصة ذاتيًا.

وفي كثير من الحالات، لا يكون الهدف هو التدمير المباشر، بل إجبار الغواصة على المناورة أو التباطؤ أو التخلي عن مهمتها، وهي نتائج تحمل قيمة استراتيجية كبيرة. وتمنح الطائرات، في هذا السياق، ميزة الاستجابة السريعة وإيصال الأسلحة فور توفر فرصة الاشتباك.
ويُتوقع أن تلعب الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في المستقبل دورًا متزايدًا في هذه الحرب الخفية. فقد بدأ بالفعل التحول نحو المنصات غير المأهولة، بما يسمح بإنشاء شبكات استشعار مستمرة دون قيود مرتبطة بقدرة الطيارين على التحمل.
كما ستُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تسريع معالجة الإشارات الصوتية وتحسين القدرة على اكتشاف الغواصات الغاطسة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز