أسطول متقادم وطموح مؤجل.. لجنة تبحث عن مخرج لأزمة البحرية الأمريكية
منذ أن وقع جورج واشنطن قانون بناء أولى الفرقاطات قبل أكثر من قرنين، ارتبط صعود الولايات المتحدة البحري بالإجابة عن سؤال واحد:
من يسيطر على البحر، يملك مفاتيح الردع والتجارة والنفوذ.
اليوم، تعود هذه المعادلة إلى الواجهة لكن في سياق أكثر تعقيدًا؛ أسطول أمريكي متقادم، جاهزية متراجعة، ومخزونات محدودة، في مواجهة قوة صاعدة كالصين تُعيد تعريف ميزان القوة البحرية عالميًا.
وبين إرث تاريخي ثقيل وضغوط جيوسياسية متسارعة، تجد واشنطن نفسها مطالبة بإعادة التفكير في جوهر قوتها البحرية، لا مجرد تحديث أدواتها.
في هذا المفصل الاستراتيجي، تبدأ اللجنة الوطنية لمستقبل البحرية الأمريكية أعمالها كرهان تشريعي على وقف التآكل الصامت للقوة البحرية، ورسم طريق واقعي بين الطموح التكنولوجي ومعضلات التنفيذ.
فالسؤال لم يعد كم سفينة تحتاجها أمريكا، بل أي بحرية تريد: قوة ردع مرنة تجمع بين المأهول وغير المأهول، أم أسطولًا مثقلًا بالمهام والالتزامات يفوق قدراته التمويل والصيانة؟
وتكافح الولايات المتحدة اليوم لبناء فرقاطات وتحديد المزيج الأمثل من السفن غير المأهولة القادرة على ردع الصين وتأمين التجارة الأمريكية وخطوطها البحرية عالميًا.
ومطلوب من البحرية الأمريكية بذل المزيد في ظل أسطول متقادم وصغير الحجم، وجاهزية متدنية، وتراكمات مزمنة في الصيانة، ومخزونات ذخيرة منخفضة وهو ما يعد تحديا استراتيجي يتطلب اهتمامًا مستمرًا من الكونغرس، وإشرافًا دقيقًا، وتشريعات فعالة.
وفي ضوء هذا التحدي، أنشأ الكونغرس اللجنة الوطنية لمستقبل البحرية التي تتلخص مهمتها في تحديد الفرص المتاحة لمساعدة البحرية ومشاة البحرية على تعزيز قوتهما وذلك وفقا لما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وأشار الموقع إلى أن نطاق عمل اللجنة يشمل تحليل هيكل الأسطول، وبناء السفن، وتحديد المتطلبات اللازمة، بدءًا من التعديلات التشريعية وصولًا إلى إصلاح السياسات، للحفاظ على مكانة أمريكا البحرية.
ورغم أن الكونغرس أعلن لأول مرة عن إنشاء اللجنة في عام 2022، إلا أنه لم يتم تعيين أعضائها إلا في عام 2024، ولم تتم الموافقة على تمويلها إلا في أواخر عام 2025 وستعقد اللجنة هذا العام جلسات استماع عامة وستقدم توصياتها في أوائل عام 2027.
ومن المرجح أن تغطي هذه التوصيات كل شيء بدءًا من كيفية بناء الولايات المتحدة وشراء السفن وصولًا إلى تغييرات أكثر دقة في السياسات والقوانين تدعم أفكارًا جديدة مثل استراتيجية التحوط التي تم الإعلان عنها مؤخرًا.
وفي ضوء التقدم التكنولوجي يمكن لأسطول يجمع بين السفن المأهولة والمركبات السطحية وتحت المائية غير المأهولة أن يوسع نطاق الاستشعار، ويعقد عملية استهداف العدو، ويخفف الضغط على الطواقم.
انتكاسات
ومع ذلك، تظهر النكسات الأخيرة، بما في ذلك إلغاء مشروع مركبة "أوركا" البحرية الكبيرة غير المأهولة ومركبات "غارك" السطحية غير المأهولة، فجوةً بين الطموح والتنفيذ.
وستقدم اللجنة توصياتها بشأن المجالات التي يجب توسيع نطاق الجهود فيها، والمجالات التي يجب إيقافها مؤقتًا، وكيفية ربط المفاهيم الجديدة بالواقع.
وستساعد التوصيات على تحديد البرامج التي يجب حمايتها أو إعادة هيكلتها أو إنهاؤها، وستنعكس هذه الخيارات في الموافقات والاعتمادات والرقابة.
من جهة أخرى، تواجه الولايات المتحدة مشاكل هيكلية في كيفية بناء سفنها وصيانتها حيث تتأخر جداول التسليم حتى مع تزايد التكاليف، وتستغرق السفن وقتًا أطول من المخطط له للعودة من الصيانة.
ونتيجة لذلك، فإن الكونغرس يخصص تمويلًا لسفن لا تصل إلى الأسطول، في الوقت الذي تقوم فيه الصين بتوسيع أسطولها البحري وبنيتها البحرية التجارية.
في هذا الإطار، ستدرس اللجنة هذه الديناميكيات، لكن الأمر متروك للكونغرس لتصحيح الحوافز، وتبسيط الرقابة، وإصلاح السياسات التي تؤدي إلى بطء الإنتاج والصيانة الدورية.
من جانب آخر لجأت الولايات المتحدة إلى البحرية لبسط النفوذ من العمليات في البحر الأحمر إلى منطقة الكاريبي حيث تحقق البحرية الأهداف المرجوة بعيدا عن التكاليف السياسية والبشرية المترتبة على عمليات الانتشار البري الكبيرة والمستدامة.
إلا أنه في ظل الميزانيات الحالية، يتعارض هذا الهدف مع ضرورة تحديث الأسطول وتنميته مما يترتب عليه قوة أصغر حجمًا وأكثر إرهاقًا مما يتطلبه الوضع الأمني.
وسيتعين على الكونغرس التوفيق بين المتطلبات العملياتية قصيرة الأجل والحاجة طويلة الأجل إلى نشر بحرية أكبر حجمًا وأكثر مرونة وقوة.
خيارات عملية
ويهدف عمل اللجنة إلى تزويد الكونغرس بخيارات عملية، لا مفاهيم مجردة وهو ما يمكن التوصل إليه من خلال أبحاث تشمل التواصل مع كبار القادة والمسؤولين المدنيين، وأيضا البحارة ومشاة البحرية من الرتب الدنيا، وكبرى شركات الدفاع والشركات الصغيرة المبتكرة.
وبفضل الاستماع إلى الأسطول والقاعدة الصناعية، ستتمكن اللجنة من تحديد نقاط الاتفاق بين أصحاب المصلحة حول المشكلة، والفرص المتاحة للتغيير في بناء السفن وصيانتها.
بعدها، ستبدأ اللجنة جهدًا تحليليًا من خلال وضع سيناريوهات تخطيطية قائمة على الميزانية والتهديدات للإجابة على سؤال أساسي: ما الغرض من وجود بحرية؟.
وستقوم اللجنة بتقييم أداء مختلف تشكيلات السفن والطائرات المأهولة وغير المأهولة، إلى جانب تشكيلات مشاة البحرية، في ظل هذه السيناريوهات المستقبلية.
وأخيرًا، ستدرس اللجنة القاعدة الصناعية البحرية، وستتساءل عما إذا كانت أحواض بناء السفن الأمريكية والموردون والقوى العاملة قادرة على بناء الأساطيل التي تتطلبها الاستراتيجية والحفاظ عليها، وما هي التغييرات القانونية والسياسية اللازمة لسد الفجوة وفي النهاية سيتم إطلاع البحرية ومجلس النواب والبيت الأبيض على توصيات اللجنة، قبل عرضها على الرأي العام.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز