إيران بعد إخماد الاحتجاجات.. 3 مسارات محتملة
رغم خروج مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، والزخم غير المسبوق الذي أظهرته الاحتجاجات في ظل ضخامتها وتنوعها الجغرافي والاجتماعي، أظهر النظام حتى الآن «تماسكًا لافتًا».
واصطف الإصلاحيون والمتشددون على حد سواء على قمع المظاهرات، فيما لم يعترض أي من رموز النخبة علنًا على «قتل المتظاهرين، إنما تبنى الجميع الرواية الرسمية التي تلقي اللوم على مندسين أجانب»، بحسب مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية.
لكنّ «هذا التماسك»، اعتبرته الصحيفة الأمريكية «خادعا ومؤقت»، مشيرة إلى أنه «خلف الكواليس، يدرك كثير من المسؤولين الإيرانيين أن النظام يمر بأزمة وجودية حقيقية».
ويعلم المسؤولون أن الأزمة الاقتصادية العميقة، والفساد المتراكم عبر عقود، وتآكل الشرعية الشعبية، ليست مشكلات «يمكن حلها عبر القمع وحده أو عبر القيادة الحالية المتصلبة، وأن التهديدات الخارجية، بما في ذلك تلويح الولايات المتحدة باستخدام القوة لإسقاط النظام، يزيد من هشاشة الوضع».
وفي ظل هذه الظروف، قد تبدأ قطاعات من النخبة بالتفكير في "إنقاذ نفسها، حتى لو كان الثمن إزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي»، بحسب المجلة الأمريكية.
ولن يكون أي تحرك من هذا النوع تدريجيًا أو علنيًا «فلو قررت النخبة التحرك ضد خامنئي، فسيكون ذلك مفاجئًا وسريعًا للغاية، ودون مؤشرات واضحة تسبق الحدث حيث إن الأنظمة السلطوية غالبًا ما تنهار وفق نمط الانهيار التدريجي ثم السقوط المفاجئ»، بحسب «فورين أفيرز».
ورغم أن الاحتجاجات الأخيرة «أضعفت النظام بشدة، فإنها لم تصل بعد إلى حد إحداث انشقاق داخل مراكز القوة»، ومع ذلك، فقد «جردت النظام مما تبقى له من شرعية شعبية، ليس فقط بين الشباب، بل أيضًا في المدن والمناطق المحافظة تقليديًا، وحتى داخل طبقة التجار في البازار، التي شكّلت تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار»، تقول المجلة الأمريكية.
تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه إيران «ضعفًا غير مسبوق»، في ظل «اقتصاد متآكل بفعل التضخم ونقص السلع، ونفوذ إقليمي متراجع بعد تضرر شبكة الحلفاء، وعجز واضح لدى القيادة عن تقديم حلول سياسية أو اقتصادية حقيقية».
3 مسارات محتملة
ووفقا لـ"فورين أفيرز" فإن إيران تقف أمام 3 مسارات محتملة للتغيير:
الأول:
هو "ثورة شعبية شاملة" تطيح بالنظام وتعيد تشكيل الدولة جذريًا،
لكن:
هذا السيناريو يتطلب انشقاقًا داخل أجهزة النظام وانحياز جزء من القوات المسلحة إلى الشارع، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
المسار الثاني:
يتمثل في "تدخل خارجي مباشر" تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها لإسقاط النظام بالقوة.
لكن:
- يتطلب التزامًا عسكريًا ضخمًا
- ينطوي على مخاطر عالية باندلاع فوضى طويلة الأمد
- يعد غير مرجح في المدى القريب.
المسار الثالث:
يراه التحليل "الأكثر احتمالًا"، وهو "الانقلاب من داخل النظام،" فحين «تصل الأنظمة السلطوية إلى طريق مسدود، تبدأ النخب بالتفكير في التضحية بالقائد الأعلى للحفاظ على مواقعها ونفوذها».
من يقوده؟
وفي حالة إيران، فمن المرجح أن يكون الحرس الثوري هو الفاعل الأساسي في أي انقلاب محتمل،
الأسباب:
- نظرًا لقوته العسكرية
- نفوذه السياسي والاقتصادي
- مصلحته المباشرة في التحكم بمسار التغيير بدل أن يتم فرض التغيير عليه من الشارع أو من الخارج.
عقبات:
ومع ذلك فإن الحرس الثوري ليس كتلة واحدة متجانسة فهناك انقسام جوهري بين جيلين داخله: الجيل الأقدم، المرتبط مباشرة بخامنئي وبمرحلة الثورة والحرب ضد العراق.
ولا يزال هذا الجيل متمسكا بالطابع الديني للنظام وبسياسة خارجية أيديولوجية، وهو الجيل الذي استفاد ماديًا بشكل كبير من الفساد والمحسوبية.
وإذا قاد هذا الجيل انقلابًا، فمن المرجح أن يسعى إلى تسويات خارجية محدودة، مثل التنازل في الملفات النووية أو الصاروخية مقابل تخفيف العقوبات، دون المساس بجوهر النظام الديني أو بنية الفساد.
في المقابل، يمثل الجيل الأصغر من ضباط الحرس الثوري فئة أكثر براغماتية اجتماعيًا، وأقل التزامًا بالقيود الدينية الصارمة، لكنه في الوقت ذاته أكثر تشددًا من الناحية القومية والعسكرية.
هذا الجيل، الذي صعد خلال توسع النفوذ الإيراني بعد 2003، لم يستفد بعد من النظام بالقدر نفسه، وقد يرى في الانقلاب فرصة لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤية أقل دينية وأكثر قومية، مع الإبقاء على سياسة خارجية قوية، وإن كانت أكثر واقعية في التعامل مع الغرب.
لكن أيا كان قادة الانقلاب فإنه لن يقود إلى ديمقراطية حقيقية لأن الهدف الأساسي سيكون الحفاظ على عناصر من النظام القائم، لا تحقيق مطالب الشارع في الحرية والعدالة.
ومع ذلك، فإن تصدّع النخبة سيكون مؤشرًا حاسمًا على دخول النظام مرحلة الانهيار، فإزاحة خامنئي، إن حدثت، ستكون اعترافًا داخليًا بأن النظام فقد قدرته على إصلاح نفسه من الداخل.
الأكيد أن إيران تتجه نحو التغيير، لكنه لن يكون بالضرورة -كما يريده المحتجون-. ومع ذلك، فإن أي كسر في وحدة النخبة الحاكمة سيمثل بداية فعلية لانهيار النظام حتى لو جاء التغيير أولًا في صورة حكم جديد بالوجوه نفسها.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg
جزيرة ام اند امز