تُعدّ العلاقات الهندية-الأفغانية نموذجًا فريدًا في السياسة الإقليمية، حيث قامت منذ بدايتها على مبدأ دعم الدولة ومؤسساتها وتعزيز استقرارها الداخلي، مُتجنبةً الانخراط في الانقسامات القبلية أو العرقية.
لا يمكن فصل العلاقات الهندية-الأفغانية عن التحولات الجيوسياسية الأوسع في آسيا والشرق الأوسط. ومع احتمالات التقارب بين الهند والصين من جهة، وبروز مشاريع بديلة للتجارة العالمية بالتنسيق مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، تبدو أفغانستان مقبلة على مرحلة جديدة ستحدد مكانتها في شبكة التعاون الإقليمي.
تُعدّ العلاقات الهندية-الأفغانية نموذجًا فريدًا في السياسة الإقليمية، حيث قامت منذ بدايتها على مبدأ دعم الدولة ومؤسساتها وتعزيز استقرارها الداخلي، مُتجنبةً الانخراط في الانقسامات القبلية أو العرقية.
هذا النهج البنّاء منح الهند مكانة الشريك الموثوق في بناء الدولة الأفغانية، ورسَّخَ حضورها كفاعل أساسي في معادلات الأمن والتنمية بجنوب آسيا.
ومع ذلك، فإن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وخاصة احتمال التقارب بين الهند والصين، إضافة إلى مسارات التعاون الاقتصادي الجديدة مع الولايات المتحدة عبر الشرق الأوسط، تُعيد تشكيل ميزان النفوذ في المنطقة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة.
تعود جذور الروابط بين الهند وأفغانستان إلى قرون من التبادل الحضاري والتجاري والثقافي، ما أرسى قاعدة من الثقة جعلت من الهند شريكًا طبيعيًا لأفغانستان في تاريخها الحديث.
منذ الحقبة الملكية وحتى عهد الرئيس محمد داود خان، لعبت الهند دورًا فاعلًا في دعم كابول عبر مشاريع تعليمية وصحية وبُنى تحتية استراتيجية عززت قدرات الدولة المركزية. هذا الحضور امتد لاحقًا إلى الحقبة الجمهورية وما بعدها، حيث ركّزت نيودلهي على الاستثمار طويل المدى في بناء الدولة الأفغانية.
على الصعيد الأمني، ساهمت الهند في مواجهة التحديات التي فرضتها الجماعات المسلحة والمتطرفة، في ظل النفوذ الباكستاني المتنامي ودور شبكات مثل القاعدة وشبكة حقاني.
دعمها للحكومة المركزية مكّنها من لعب دور سياسي وأمني متوازن، لكن عودة طالبان إلى السلطة في عام 2021 أعادت تعقيد المشهد. الأمر الذي فرض على الهند تبني استراتيجية أكثر حذرًا، تقوم على إبقاء قنوات اتصال محدودة ومفتوحة، دون اعتراف رسمي، مع الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية.
اقتصاديًا، استثمرت الهند مليارات الدولارات في مشاريع استراتيجية كان أبرزها مبنى البرلمان الأفغاني، بالإضافة إلى سدود وبُنى تحتية أساسية، فضلاً عن آلاف المنح الدراسية للطلاب الأفغان.
هذه الاستثمارات لم تقتصر على البنية المادية، بل امتدت إلى بناء نخبة سياسية وتعليمية وثقافية تربطها علاقات وثيقة بالهند، مما منح نيودلهي قوة ناعمة طويلة الأمد يصعب تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية تخص أفغانستان.
على الصعيد الإقليمي، تشكل العلاقات الهندية-الأفغانية عنصرًا مهمًا في معادلات القوة، خصوصًا في مواجهة النفوذ الباكستاني، غير أن السياق الإقليمي أصبح أكثر تعقيدًا مع مشاركة قوى إضافية مثل إيران وتركيا وروسيا.
وفي هذا الإطار، تبرز مساعي الهند والولايات المتحدة لإنشاء مسارات تجارية جديدة عبر الشرق الأوسط وصولًا إلى أوروبا، في محاولة لتقليل الاعتماد على النفوذ الصيني.
في المقابل، واجهت باكستان تحديات نتيجة تباين سياساتها تجاه حكومة الأمر الواقع في كابول، بما شمل انتقادات متكررة للحكومات الأفغانية المتعاقبة وعمليات أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، ما أثر على مصداقيتها داخليًا ودوليًا. وقد تجلّى هذا التباين بشكل أكبر في الدعوات الأخيرة لأطراف أفغانية محدودة التأثير إلى اجتماع في إسلام آباد، والتي لم تحظَ بشرعية واسعة، فيما استثمرت الهند هذا السياق لتعزيز مكانتها كطرف أكثر استقرارًا وموثوقية في إدارة الشأن الأفغاني والإقليمي.
تحديات
المسار التجاري الجديد الذي يربط الموانئ الهندية بالولايات المتحدة مرورًا بدولة الإمارات، والسعودية، والأردن، ثم إسرائيل وإيطاليا، يشكّل تحديًا مباشرًا لمشروع "الحزام والطريق" الصيني.
ورغم وجود توترات سابقة في العلاقات الأمريكية-الهندية، خاصة بعد شراء الهند للنفط الروسي، فإن الشرق الأوسط يظل محورًا حساسًا؛ إذ يصعب لأي تقارب هندي-صيني أن يعوض غياب التنسيق مع واشنطن.
هذا الممر التجاري الجديد يُعزز خيارات الهند وواشنطن معًا، ويُعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة، مؤكدًا أن نجاح المشاريع الاستثمارية والتجارية الكبرى مرتبط بشكل مباشر بتفاعلات القوى الكبرى وضماناتها.
في هذا المشهد المعقد، تبرز دولة الإمارات كلاعب استثنائي استطاع الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من الهند وباكستان، مستفيدًا من شراكات استراتيجية في مجالات الطاقة والبُنى التحتية والتكنولوجيا.
هذا التوازن جعلها قادرة على لعب دور الوسيط أو الجسر بين الطرفين، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية. وتُعتبر دولة الإمارات حلقة وصل أساسية في الممر التجاري الجديد، حيث يمر عبرها مما يؤكد دورها المحوري في هذه الشبكة التي تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية وتقليل النفوذ الصيني.
المستقبل ورهاناته
تظل حقيقة أن أي تقاربات إقليمية، سواء عبر مشاريع النقل والطاقة أو من خلال التفاهمات السياسية، مشروطة بوجود تفاهمات أعمق بين القوى الإقليمية والدولية.
فغياب التوافق بين الفاعلين الكبار يُشكّل عائقًا أمام تحويل هذه المبادرات إلى شراكات استراتيجية مستدامة. وفي هذا الإطار، يبقى الدور الأمريكي حاسمًا، سواء كضامن أمني أو كمرجعية سياسية وقانونية لتنظيم هذه المسارات.
ختامًا، لا يمكن فصل العلاقات الهندية-الأفغانية عن التحولات الجيوسياسية الأوسع في آسيا والشرق الأوسط. فهي في جوهرها شراكة استراتيجية معنية ببناء الدولة ودعم استقرارها، لكنها في الوقت نفسه جزء من معركة أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في القارة الآسيوية. ومع احتمالات التقارب بين الهند والصين من جهة، وبروز مشاريع بديلة للتجارة العالمية بالتنسيق مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، تبدو أفغانستان مقبلة على مرحلة جديدة ستحدد مكانتها في شبكة التعاون الإقليمي، إما كمحور للتكامل والتنمية، أو كساحة إضافية لصراع القوى الكبرى.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة