السؤال عن مستقبل النظام السياسي في إيران أضحى سؤالاً تفرضه الأحداث الجارية.
ففي ظل تداخل غير مسبوق بين الضغوط الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، أسهمت المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية ضد طهران في إضعاف بنية النظام عبر استهداف قياداته في الصفوف الأولى، وتقليص قدراته العسكرية، إلى جانب فرض واقع جديد في مضيق هرمز بعد أن استخدمته طهران كورقة ضغط استراتيجية.
ويُعد مضيق هرمز، وفق توصيف مؤسسة راند، من أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، ما يجعل أي تحكم في مساراته عاملًا حاسمًا ليس فقط في المواجهة مع إيران، بل في موازين القوى الدولية ككل.
كما برزت مؤشرات واضحة على اضطراب مسار التهدئة والمفاوضات، حيث قد أعلن عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني إعادة فتح المضيق أمام الملاحة، قبل أن تعلن جهات عسكرية إيرانية إعادة فرض السيطرة المشددة عليه، ويعكس هذا التباين في التصريحات نمطًا متكررًا في إدارة الأزمة، يقوم على الموازنة بين التصعيد والتهدئة، ومحاولة كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض.
ومع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة والدخول في جولة مفاوضات جديدة في إسلام آباد، يسعى النظام الإيراني إلى تقديم نفسه كطرف منفتح على الاتفاق، في مقابل إظهار قوى داخلية -لا سيما المرتبطة بالمؤسسة العسكرية "الحرس الثوري"- بوصفها أكثر تشددًا، في محاولة للتأثير على مواقف واشنطن ودفعها نحو تخفيف شروطها مع كسب تعاطف دولي.
في ضوء هذه المعطيات، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام: هل يستطيع الاستمرار بصيغته الحالية، أم أنه يتجه نحو تحولات بنيوية أعمق؟ وهو ما يفتح المجال أمام عدة تصورات محتملة لمسار إيران في المرحلة القادمة، تتراوح بين إدارة التفاوض كأداة للمناورة، والتآكل الداخلي، وتصاعد الضغوط الخارجية، وصولًا إلى احتمالات التحول في طبيعة النظام ذاته.
التصور الأول: لعبة التفاوض الإيرانية
يعكس هذا التصور حقيقة أن السلوك التفاوضي الإيراني لا يُدار بوصفه مسارًا حاسمًا لإنهاء الحرب وقبول الشروط والمطالب الأمريكية، بقدر ما يُستخدم كأداة لتسويق مواقف النظام خارجيًا وكسب الوقت داخليًا.
ففي هذا الإطار، يظهر محمد باقر قاليباف، بصفته رئيس البرلمان، كوجه براغماتي يوحي بالاستعداد للتفاهم، بينما يُجسّد أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، التيار الأكثر تشددًا والمتمسك بثوابت النظام العقدية.
ويُقرأ هذا التباين كجزء من توزيع أدوار يهدف إلى التأثير على صانع القرار في واشنطن، عبر الإيحاء بأن إيران تتصارع فيها التيارات السياسية والعقدية.
ومن خلال ذلك، تسعى طهران إلى دفع الولايات المتحدة نحو تخفيف سقف مطالبها.
وتتمثل هذه المطالب -بصيغتها المختزلة- في تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وفرض رقابة دولية شاملة، ووقف دعم الوكلاء الإقليميين، إلى جانب تقييد البرنامج الصاروخي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهي شروط تمس جوهر عناصر القوة في بنية النظام الملالي.
وفي هذه المعادلة، تتحول المفاوضات إلى أداة "تسويق سياسي" تهدف إلى إظهار مرونة شكلية دون تقديم تنازلات كبيرة تنهي بقاء النظام، مستفيدةً من "إدارة وقت"، والتي ربما تسمح للنظام بإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وتحسين موقعه التفاوضي. وبذلك، يكون الهدف غير المعلن هو الوصول إلى اتفاق مخفف الشروط.
التصور الثاني: تآكل داخلي وصدام داخل بنية النظام
يقوم هذا التصور على حدوث صدام بين صفوف النظام الثيوقراطي الإيراني، فالنظام يقوم على تصدير الثورة الشيعية متجاوزًا سيادة الدول وممزقًا فيها الوحدة والقومية القطرية.
وفي حالة قبوله الشروط الأمريكية بعدم دعم الميليشيات والفاعلين دون مستوى الدولة في العراق ولبنان وفلسطين واليمن، فإنه بذلك يفقد النظام الركن الأساسي لعقيدته، وأيضًا يجعله لا يملك قوة في السياسة الإقليمية والدولية للتفاوض والردع.
وفي فقدان هذه القوة، نشهد في الفترة الحالية التمهيد لاتفاق لبناني – إسرائيلي لإخراج لبنان من النفوذ الإيراني وتأمين الحدود للطرفين اللبناني والإسرائيلي، بعد أن بدأت الهدنة بينهما، وعدم قدرة النظام الإيراني على فرض إرادته على لبنان عبر حزب الله.
هذا الأمر سيقود إلى صدام داخلي بين صفوف النظام، على إثر عمليات اغتيال وقتل معظم الصفوف الأولى في النظام، وهو ما أدى إلى بروز الصفوف الثانية والثالثة، وهذه الصفوف تُعد أكثر تشددًا وتمسكًا بعقيدتها المذهبية بسبب قلة التعليم والخبرة والمعرفة في العلاقات الدولية وموازين القوى وما تعنيه الدولة من أرض ونظام وشعب، وهم متسلحون بالعقيدة المتطرفة العابرة للحدود، ويؤمنون بنهاية العالم وبالدمار وقدوم المهدي المنتظر، وبذلك سيكونون أكثر قابلية للاقتتال الداخلي وتمزيق البلاد.
التصور الثالث: تصاعد الضغوط الخارجية واحتمال التدخل المحدود
يقوم هذا السيناريو على احتمال حدوث تدخلات وعمليات برية، والتي إذا حدثت ستكون لدعم الهويات داخل إيران، خاصة الأكراد، ضد النظام الملالي. ويتعزز هذا التصور من خلال ما رسمه مجلس الأمن الروسي عبر التحذير من أن تستخدم الولايات المتحدة وإسرائيل المفاوضات السلمية مع طهران للتحضير لعملية برية ضد إيران، حيث يواصل البنتاغون تعزيز وجوده العسكري في المنطقة.
وقد أشار المجلس في تعليقه إلى أن هناك حاليًا أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، مع قدرات عسكرية نوعية، إلى جانب أكثر من 20 سفينة حربية. كما تواصل واشنطن نقل وحدات عسكرية إضافية إلى المنطقة.
ومع حدوث هذا السيناريو، قد يكون مستقبل إيران محكوم بأنظمة فدرالية لشعوبها، أو قد يحدث انقسام شبه كونفدرالي قد يقود إلى انفصال في بعض أقاليمها خاصة أراضي الأكراد.
التصور الرابع: انشقاق عسكري وتحول في طبيعة النظام
يفترض هذا السيناريو حدوث تحول من داخل بنية الدولة، من خلال بروز تيار عسكري قومي إيراني يسعى إلى إعادة تعريف شكل النظام السياسي.
وقد يتخذ هذا التحول مسارًا تدريجيًا أو تصادميًا، خاصة في حال نشوء خلافات حادة بين المؤسسات العسكرية التقليدية وبعض مراكز النفوذ الأيديولوجي.
فعبر هذا المسار، قد تتجه إيران نحو نماذج حكم بديلة، مثل نموذج ملكي دستوري، أو نموذج جمهوري يجمع بين الحكم المدني والنفوذ العسكري، على نحو يقترب من تجارب إقليمية مثل باكستان، حيث يتداخل البعد المدني مع الدور المؤثر للمؤسسة العسكرية، مع استمرار حضور الدين في المجال العام.
الخاتمة
إن استمرار نهج المراوغة السياسية، وتقديم التنازلات المؤقتة ثم التراجع عنها، إلى جانب تصاعد نفوذ التيارات الأكثر تشددًا داخل بنية النظام الإيراني، قد يدفع نحو مزيد من التصعيد بدلًا من الاحتواء.
وفي هذا السياق، فإن تراجع الثقة الإقليمية والدولية في السلوك الإيراني قد يفتح المجال أمام جولات جديدة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، سواء في إطار الردع أو إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
ومن المرجح أن يستمر الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الخليج كعامل ردع ومراقبة، أو قد يتخذ عمليات حسم سريعة، كل ذلك ممكن عبر ما ستسفر عنه التفاعلات داخل إيران نفسها ومفاوضات إسلام آباد في مرحلتها الثانية، والتي ستبقى العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة القادمة.
وتظل الآمال معقودة على أن تفضي هذه التحولات إلى مسار يعزز استقرار الدولة الإيرانية، ويحقق لشعبها متطلبات التنمية والاستقرار ضمن إطار وطني متماسك بعيداً عن النظام الثيوقراطي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة