إغلاق هرمز.. من ورقة ضغط إلى فخ لطهران
بينما يمثل إغلاق مضيق هرمز في الخطاب الإيراني ورقة ردع كبرى، إلا أنه في الواقع يشبه زر طوارئ قد ينفجر أولاً في وجه طهران نفسها.
فإيران التي تعاني اقتصاداً مثقلاً بالعقوبات والتضخم وتآكل العملة، تعتمد بصورة جوهرية على بقاء شرايين الطاقة مفتوحة لضمان الحد الأدنى من تدفق العائدات والنفوذ، ما يعني أن أي تعطيل طويل للمضيق سيُسرّع أيضاً من عزل إيران اقتصادياً وسياسياً، ويحولها من لاعب يهدد السوق إلى عبء يهدد استقرار الاقتصاد العالمي.
وبحسب صحيفة «ذا ناشيونال إنترست»، فإنه إذا دفعت إيران العالم نحو أزمة نفطية كبرى، فإن واشنطن وحلفاءها لن يتعاملوا مع الخطوة بوصفها مناورة تفاوضية، بل باعتبارها تهديداً مباشراً للنظام الاقتصادي العالمي.
«حينها قد تتحول سياسة الضغط المتبادل إلى شرعية دولية أوسع لعزل إيران عسكرياً واقتصادياً، في وقت ستكون فيه طهران الطرف الأقل قدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة أو انهيار اقتصادي أعمق»، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وبينما تعتبر إيران أن فقدان صادرات النفط عبر مضيق هرمز، وما قد يترتب عليه من قفزة هائلة في أسعار النفط، مما سيؤثر على إمدادات البنزين والديزل ووقود الطائرات، فضلاً عن المواد الأولية المستخدمة في تصنيع البلاستيك وأشباه الموصلات وغيرها من المنتجات الحيوية واسعة الانتشار، في سيناريو قد يترتب عليه تداعيات سياسية داخلية ستدفع ترامب نحو التسوية التي تريدها طهران.
مقامرة إيران
إلا أنه إذا استخدمت إيران هذه الورقة — أي إذا تسببت في أزمة نفط عالمية تفرض تكاليف مرتفعة تدفع العالم ليس فقط إلى «التعامل» مع الأزمة، بل إلى «التكيف» معها — فإنها ستفقد نفوذها تماماً، وستكون مقامرة بحجم تاريخي، بحسب «ذا ناشيونال إنترست».
فالأسوأ بالنسبة لطهران أن استخدام الطاقة بهذا الشكل كورقة ضغط قد يولّد داخل الولايات المتحدة رد فعل سياسياً مشابهاً لما أحدثته روسيا في أوروبا: تصلباً في المواقف وتصاعداً في الإصرار على الحسم بدلاً من التفاوض.
لكن الفارق هنا أن الولايات المتحدة يقودها رئيس واحد، وليس 27 رئيساً ورئيس وزراء كما هو الحال في أوروبا، وأن واشنطن ليست مجرد متفرج على الحرب بل طرف مباشر فيها، وأن الأمريكيين الذين يرون الحرب اليوم خياراً قابلاً للتجنب قد يعتبرونها ضرورة إذا استمر التعنت الإيراني.
كما أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية تتجاوز مجتمعة قدرات الجيوش الأوروبية، في حين أن إيران — مقارنة بروسيا — ليست خصماً بالقوة ذاتها.
ولا أحد ينبغي أن يرغب في تجاوز العتبة التي تخلق أزمة نفط عالمية حقيقية، لأن مثل هذه الأزمة ستكون كارثية على إيران وقادتها وشعبها من أي طرف آخر.
وبعيداً عن الوضع الاقتصادي الإيراني المتدهور أساساً، فإذا أصبح الرئيس الأمريكي أقل تقييداً سياسياً مما هو عليه الآن — وهو احتمال قد يتحقق إذا أدت أزمة نفطية كبرى إلى ضغوط داخلية تطالبه بـ«فعل شيء ما» — فإن الولايات المتحدة ستكون صاحبة اليد العليا في كل درجات التصعيد. وقد تتحول بعض تهديدات ترامب غير المنفذة إلى خيارات أكثر واقعية، وربما يجد دعماً دولياً جديداً لاتخاذ خطوات حاسمة.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن القيادة الإيرانية قد تواجه مخاطر جسيمة إذا فشلت في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل أن تُجبر الاقتصادين الأمريكي والعالمي على تحمل أضرار دائمة.
ثمن باهظ
وإلى ذلك، يقول الكاتب السياسي الإماراتي علي الزوهري، في مقال له بـ«العين الإخبارية»، إن مضيق هرمز ظل لعقود طويلة السلاح الأمضى في جعبة طهران؛ فمجرد التلويح بإغلاقه كان كافياً لإرباك أسواق النفط العالمية وإجبار القوى الكبرى على التفاوض.
لكن في أبريل/نيسان 2026 انقلبت المعادلة رأساً على عقب: المضيق الذي أغلقته إيران سلاحاً في وجه العالم، صار هو الثمن الذي دفعته لإيقاف الحرب.
وأوضح أنه حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما في أواخر فبراير/شباط، ردّت طهران بما اعتقدت أنه ورقتها الرابحة: إغلاق هرمز وخنق شريان الطاقة العالمي، مشيرًا إلى أنه بدا للوهلة الأولى أن الرهان الإيراني يُجدي، غير أن واشنطن ردّت بمنطق مختلف: إذا أغلقتِ هرمز في وجه العالم، فسنُغلقه في وجهكِ أنتِ.
في الرابع عشر من أبريل/نيسان، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية حصاراً بحرياً شاملاً على جميع الموانئ الإيرانية. في أقل من ست وثلاثين ساعة، توقفت الحركة التجارية الإيرانية عبر البحر بشكل شبه كامل، مما أحدث صدمة قاسية: اقتصاد يعتمد 90% منه على التجارة البحرية لا يصمد طويلاً أمام حصار منظّم. ما صنعته إيران سلاحاً على العالم، انقلب سلاحاً عليها، يضيف الزوهري.
وأشار إلى أن الحصار المعاكس كسر سلاح إيران الأقوى نفسياً وأثبت أن هرمز سيف ذو حدين، أما السؤال الذي تطرحه المرحلة القادمة فليس: من انتصر؟ بل: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أن هذه الهدنة مقدمة لجولة أشد؟