التحليلات

كيف توظف إيران انفلات ضبط التسلح الدولي؟

الثلاثاء 2019.3.5 11:32 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 343قراءة
  • 0 تعليق
تجربة صاروخية إيرانية- أرشيفية

تجربة صاروخية إيرانية- أرشيفية

بينما كانت "معاهدة الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى" (INF)، تحتضر في سياق الاشتباك الأمريكي – الروسي حول إجراء تجارب صاروخية تتجاوز سقف الاتفاقية، كانت إيران تعلن عن تجارب صاروخية جديدة أبزرها مؤخراً تجربة إطلاق صاروخ كروز للمرة الأولى من غواصة صغيرة "غدير" خلال مناورة عسكرية سنوية مستمرة في مضيق هرمز، وآخر باليستي "دزفول" جرى تصنيعه تحت الأرض في منطقة بالقرب من الحدود مع العراق.

وتعد هذه مؤشرات على أن هناك قوى إقليمية أصبحت تمتلك قدرات صاروخية تشكل تهديدا للأمن العالمي بما يتجاوز المعاهدة التي كانت تكبل كل من قطبي الحرب الباردة بعد عام 1989، وهو الأمر الذي تصوغ به الولايات المتحدة انسحابها من المعاهدة، على إثر القلق المتصاعد جراء تنامي القدرات الصاروخية الصينية والإيرانية أيضا.

وكان هذا مجالاً للشد والجذب على منصة مؤتمر ميونيخ في نسخته الأخيرة خلال فبراير المنقضي، كما أنه شكل أحد أبرز الملفات التي طرحت بين روسيا وإسرائيل خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى موسكو نهاية الشهر ذاته في إطار فصل جديد في ترتيبات الأمن المشتركة على الجانبين.

انقسام غربي يضعف سياسية الردع

وفي سياق مشهد ميونيخ عكس تباين المواقف بين الولايات المتحدة التي تصر على تبني سياسات مشتركة مع حلفائها الأوروبيين لعزل إيران دوليا وبين حلفائها الأوروبيين الذين لا يزالون يرون هناك حاجة للحفاظ على الاتفاق النووي، وتناظر واشنطن بين القلق الأوروبي من تحلل روسيا من معاهدة INF والتحركات التي تمثلت في عديد من التجارب الصاروخية لصاروخ 9m729 الروسي والانتشار خارج الحدود وبين القلق في الشرق الأوسط من التجارب الإيرانية الصاروخية حتى وإن كانت إيران لا يزال في غير مقدورها تحميل تلك الصواريخ برؤوس نووية لكن يمكنها حمل رؤوس حربية.

في المقابل دافع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن سياسة بلاده من منصة ميونيخ، وطرح تساؤلات استنكارية من قبيل "هل تملك إيران الحق في الدفاع عن نفسها؟" "وإذا كان لنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، هل نفعل ذلك بالسيوف؟ هل نفعل ذلك، أيا كان، بالبنادق، أم أننا نحتاج إلى وسائل دفاع متطورة؟ من دون الإشارة إلى استمرار إيران في تنمية القدرات الصاروخية.

وبحسب تحليل لموقع politico فإن ظريف لعب على التوترات في العلاقات عبر حلف شمال الأطلسي، واستغل قرارات السياسة الخارجية التي لا يمكن التنبؤ بها وغير المنتظمة التي يتخذها الرئيس دونالد ترامب.

ظريف الذي يقود الدبلوماسية الإيرانية حاول استخدام لهجة قادرة على الإقناع تجاه تلك السياسات، لكن على الساحة العسكرية الإيرانية التي يقودها الحرس الثوري يبدو الأمر على النقيض مما أظهره ظريف، ففي هذا الصدد هناك تطوران يستدعيان التوقف حاليا هما، الأول: يتعلق بتحذير المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أنه لا يمكن الوثوق بالأوروبيين، في تلميح إلى عدم الاتكاء على قدرة أوروبا في مقاومة الولايات المتحدة كثيراً من جهة فضلا عن برجماتية تلك القوى من جهة أخرى.

أما التطور الآخر فيتعلق بإعلان الحرس الثوري خلال مناورات عسكرية "قشم" في ديسمبر الماضي عن تغيير العقيدة العسكرية من "الدفاع" إلى "الهجوم" عكس ما يروج ظريف، وبغض النظر عن كون هذا الإعلان لا يشكل متغيراً، فالسلوك الإيراني خارج حدودها لا سيما تجاه دول الجوار يكشف عن هذا التوجه مبكراً، ويتسق مع الإعلانات المتكررة من الاتحاد الأوروبي التي كان آخرها في يناير العام الجاري في بيان له أشار فيه إلى قلقه من السياسيات الخارجية الإيرانية معددا من بينها التجارب الصاروخية ودور طهران في سوريا ومحاولات اغتيال معارضين في هولندا وفرنسا والدنمارك، وإن كان هذا البيان يمكن أن يقرأ أيضا في سياق الازدواجية الأوروبية تجاه إيران.

ترسانة خارج السيطرة

إن استمرار الحديث عن التجارب الاستعراضية الصاروخية الإيرانية قد لا يفضي إلى أكثر من متابعة هذا التسلسل في الأجيال المطورة من الصواريخ الإيرانية ومحاولات إيران إلى جذب الأنظار إليها لكن ما يستحق الالتفات إليه هو أن الترسانة الصاروخية الإيرانية أصبحت في أيدي مليشياتها المحسوبة عليها، فهناك صواريخ لدى حزب الله الإرهابي في لبنان وحماس في قطاع غزة، ومليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن، وربما حصلت بعض المليشيات العراقية الموالية لها أيضا على عدد من الصواريخ بحسب تقارير غير رسمية معلن عنها العام الماضي.

لكن اللافت في سياق ما يتعلق بالعقيدة العسكرية الإيرانية بشأن مبررات مد ما تسميه بقوى "المقاومة" على خط المواجهة مع إيران بتلك الترسانة الصاروخية، لا ينسجم مع إمداد الحوثين بـ8 أنواع مختلفة المدى من الصواريخ، أطلقت من تلك الأنواع فقط في العام الماضي 119 صاروخا على السعودية - بحسب المتحدث باسم التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن العقيد تركى المالكي- ونقلت للحوثيين خبرات شاملة حول عمليات النقل والشحن والتجميع وإخفاء منصات الإطلاق؛ وبالتالي لا يمكن السيطرة على هذه المنظومة خارج الحدود الإيرانية، سواء ما تمتلكه تلك المليشيات من مخزون استراتيجي أو خط للتصنيع تحت إشراف الخبراء الإيرانيين.

الأمر الآخر في هذا الصدد هو أن تقارير متخصصة وصادرة عن جهات تحقيق دولية كشفت عن تطابق واضح بين النسخ الإيرانية في المواقع كافة تقريبا، وهي مستنسخة من نوعيات مثل 801C- أو C-802 المضادة للسفن، و6 أنواع مختلفة من الصواريخ الباليستية أو أنظمة الصواريخ بعيدة المدى نظام SCUD القديم و SS-21 / RBMs (توشكا) المحمولة (القاهر) SA- 2 SAM 1S التي تعادل النسخ الإيرانية المعروفة زلزال 1، 2 و(بركان) محلي الصنع 1SRBMs. ومن المتصور أن 3 أو 4 أنظمة منها لم تكن معروفة في اليمن من قبل استخدام الحركة الحوثية للقدرات الصاروخية وتم تركيبها في اليمن بحسب MISSILE DEFENSE REVIEW في فبراير/شباط 2017.

وتأكد هذا التصور مع صدور تقرير لجنة تحقيق الأمم المتحدة الخاص بالهجمات الحوثية ضد المدمرة الأمريكية USS ميسون في أكتوبر 2016 ثم الفرقاطة السعودية مطلع 2017 التي خلصت إلى تأكيد الاعتقاد بأن إيران أو "حزب الله" اللبناني الوكيل لتوريد نوعيات الصواريخ التي استهدفت تلك القطع البحرية، أو على الأقل توفير الخبرة اللازمة، وأن مليشيات الحوثي تلقت أكثر من 200 صاروخ من طراز "قيام 1" الإيراني الصنع، كما تقوم شركة "شهدي باغيري " الصناعية التابعة للحرس الثوري بتصنيع أجهزة التوجيه الخاصة بتلك الصواريخ.


كوابح تقليدية

في الأخير يمكن القول إن محصلة المتغيرات الجيوستراتيجية والعسكرية الخاصة بإيران ومنها المتغير الخاص بالسلوك الإيراني "الهجومي" الذى يهدف بالأساس إلى توفير غطاء لأدوار الحرس الثوري سواء في الداخل في ظل موقفه من الجيش، أو تحركاته في الخارج على ساحة أربع بلدان عربية، إلى جانب دور " كتائب الحلفاء" الذي تلعبه المليشيات الموالية لها التي تمتلك حالياً قدرات تسلح فوق تقليدية، فضلا عن استمرار إيران في تنمية القدرات الصاروخية، وربما النووية المجمدة فسيكون من الصعوبة بمكان كبح التهديدات، وإن كل الجهود التي تبذل لن تزيد عن تقويض تداعياتها على صعيد الإقليم لا سيما أن سياسات العقوبات الاقتصادية لم تثبت فعاليتها في تعطيل إيران عن المضي في هذا المسارات في ظل مجال واسع للحركة في المنطقة.

وقد يزيد من تلك الصعوبات انفلات عقال ضبط التسلح على المستوى الدولي الذي كان مرتبطاً بصيغة الحرب البادرة، بل يمكن القول إن انهيار معاهدة INF إلى جانب صعوبات التوصل إلى تفاهمات محكمة مع كوريا الشمالية في ظل الماراثون الحالي مع الولايات المتحدة، يغري كل ذلك طهران إلى مواصلة نهجها الإقليمي الحالي بل وتصعيده.

وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية استثنت طهران من لغة "الصفقات" المعتمدة حالياً في سياساتها الخارجية، بل عادت إلى أسلوب التعامل التقليدي المتمثل في العقوبات طويلة المدى، على الرغم من أن إيران أثبتت طيلة الوقت أنها قادرة على تجاوزها، كما أن سياسة "العزل" أثبت هي الأخرى فشلها سواء في ظل المواقف الأوروبية تجاه إيران.



تعليقات