تشتدّ التصريحات من كل جانب، بل تعدّت ذلك إلى مرحلة إجلاء الرعايا والمطالبة بخروجهم، لا من داخل إيران فحسب، بل القيام بذلك أيضًا في قاعدة العديد في قطر،
إلى جانب تحركات عسكرية من جانب الولايات المتحدة، وتسريبات تتحدث عن كون الساعات القادمة سيتضح فيها ما إذا كانت إدارة ترامب ستشنّ ضربةً عسكرية على إيران أم لا.
من المؤكد أن احتجاجات هذا العام ليست كسابقاتها؛ فهي تأتي في ظرفٍ إقليميّ متغيّر عمّا كانت عليه في احتجاجات وفاة مهسا أميني عام 2022. فخريطة الشرق الأوسط قد تبدّلت منذ السابع من أكتوبر، وشهية إسرائيل، بعد حرب الإثني عشر يومًا، تبدو مفتوحة لإعادة ضرب إيران، في الوقت الذي قد ترى فيه إيران في الاستهداف الإسرائيلي سببًا لتشتيت الاحتجاجات، وتحويل المشهد نحو صواريخها الباليستية ومسيّراتها المتجهة نحو تل أبيب. أما الولايات المتحدة، فإن "أخلاق" ترامب هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفه، في الوقت الذي اختطف فيه مادورو من قلب كاراكاس، ويشتهي غرينلاند، فلا مانع، ربما، من إيران واستهدافها مرةً أخرى، فأخلاقه لا يقيّدها قانون دولي.
لكن المعضلة في إيران ليست من السهل التعامل معها. ففي الوقت الذي لا يمكن إسقاط اعتقال مادورو كمناورة من الممكن القيام بها، لأسباب تتعلق أولًا برمزية الخامنئي، واتساع الجغرافيا الإيرانية ثانيًا، إلى جانب أن العالم لا يتحمّل عملية مشابهة لمادورو في أقلّ من شهر، وفي ظل أن العالم، منذ السابع من أكتوبر، متغيّر بشكل سريع، يصعب حتى على المختص أن يستشرف أي خطوات قادمة، بل حتى إن هكذا عملية لا يمكن ضمان ردّة الفعل الإيرانية تجاهها، أو حتى من قد يصعد في هكذا مشهد، ولربما كانت أطراف أكثر تطرّفًا هي التي تتبوّأ أعلى الهرم الإيراني. فانهيار النظام لا يعني بالضرورة حياةً مدنية وديمقراطية، والأمثلة عديدة على انهيار أنظمة قمعية استُبدلت بأخرى أكثر قمعًا، في ظل غياب معارضة حقيقية، أو استراتيجية من قبل النظام الدولي، والذي لا يبحث في هذه الأثناء عن رفاهية الشعوب وأنظمة أكثر استقرارًا منخرطة في المجتمع الدولي، بل يبحث في تقاسم خيراتها، والتوغّل في هذه الدول واستقطاع أراضيها لمصالح شخصية.
من جانبٍ آخر، لا تمتلك إيران رصيدًا حيًّا لمعارضة حقيقية قادرة على انتشال البلاد من إرث الخامنئي والحرس الثوري. فمن المستبعد أن يكون الإيرانيون مستعدّين لعودة بهلوي جديد، حتى في ظل نظام ملكي دستوري جديد، ولا يبدو أن فرص أي انشقاق في الداخل الإيراني أمر واقعي. فمن المؤكد أن تكون أنظار الحرس الثوري تجاه فرص الانشقاقات أعظم من تتبّعه للمحتجّين وممارساتهم. ولربما كان على الولايات المتحدة تحفيز هكذا انشقاقات، والتي من شأنها، على أقلّ تقدير، خلخلة النظام بمجرد خروجها عنه.
وفي الوقت الذي بُتِرت أذرع إيران، من حزب الله إلى سوريا، وابتعاد الفصائل العراقية عن المشهد، وانعزال الحوثي حتى اللحظة، قد ترى دول الخليج أن إيران ضعيفة خيرٌ من إيران مفككة، بمستقبلٍ غامض. كما يهمّ دول الخليج "صورتها" لدى العالم بوصفها دولًا مستقرة في منطقة ملتهبة، فتلويح إيران باستهداف قواعد أميركية في المنطقة من شأنه زعزعة صورة الاستقرار في دول الخليج، إلى جانب أن الخليج لا يريد بؤرة صراع جديدة؛ فالمنطقة ككل تشتعل، وريادة الخليج باستقرار الدول التي تحاذيه.
أما دونالد ترامب، ففي رقبته الآلاف من القتلى من المحتجّين؛ فقد دعاهم إلى الاستمرار في احتجاجهم دون أي تدخل حتى اللحظة. ولربما عوّل كثيرون على تدخّله، لكن، وإن تدخّل، فمن الصعب أن يسقط تدخّلٌ جوي نظامًا كهذا دون محفّزات داخلية قادرة على الإطاحة به، كما أسلفنا في الذكر. ولربما يتخلّى عنهم بمجرد جلوس عراقجي مع ويتكوف وتقديم تنازلات بشأن الملف النووي الإيراني، فأخلاق ترامب تسبقه في هذه المسائل.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة