آسيا تعود إلى الفحم مع اختناق إمدادات الغاز الطبيعي بسبب الحرب
تُجبر الحرب في الشرق الأوسط، الدول التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال على إعادة النظر في استراتيجيتها.
والغاز الطبيعي المسال هو الوقود الذي يُشكل ركيزة توليد الطاقة في العديد من أكبر اقتصادات آسيا.
ومع دخول القتال أسبوعه الثالث، أدى ذلك فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإنتاج القطري، ما أدى إلى سحب نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال من السوق.
تهديد وجودي
ويُشكل هذا تهديداً وجودياً لشبكات الطاقة في جميع أنحاء آسيا، التي تُعد أكبر مستهلك لهذا الوقود في العالم، ومُستقبلة لأكثر من 80% من صادرات قطر.
ووفق صحيفة نيويورك تايمز، تُنتج دول مثل اليابان وسنغافورة وتايلاند وتايوان وباكستان وبنغلاديش ثلث احتياجاتها من الكهرباء أو أكثر من الغاز الطبيعي.
ولتجنب النقص المُحتمل، تنافست شركات الطاقة في جميع أنحاء المنطقة لشراء الشحنات المتبقية بأسعار قياسية في السوق الفورية.
ويتخذ البعض خطوات لترشيد استهلاك الطاقة واللجوء إلى موارد الدولة للتخفيف من ارتفاع الأسعار.
نقص الإمدادات
في الوقت نفسه، يلجأ الكثيرون ممن يواجهون نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار إلى محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم.
ويتوقع المحللون ومسؤولو الطاقة أن يمتد تأثير هذه الاضطرابات إلى ما بعد انتهاء النزاع الحالي.
ولطالما اعتُبر الغاز الطبيعي المسال في آسيا وقودًا انتقاليًا، فهو أقل تلويثًا من الفحم، وأكثر موثوقية من مصادر الطاقة المتجددة، وقادر على تزويد منطقة تشهد نموًا سكانيًا ونشاطًا اقتصاديًا متزايدًا، ما سيؤدي إلى زيادة الطلب العالمي على الطاقة بأكثر من النصف بحلول عام 2050.
التحول إلى الفحم
وفي تقرير صدر هذا الأسبوع، قدّرت شركة شل، أكبر تاجر للغاز الطبيعي المسال في العالم، أن الاستهلاك في آسيا سيساهم في زيادة الطلب العالمي على هذا الوقود بنسبة تصل إلى 85% بحلول عام 2050، ارتفاعًا من 422 مليون طن متري في عام 2025.
لكن كل ذلك يتوقف على إمداد موثوق بالوقود، ولأن جغرافية آسيا تحول دون مدّ خطوط أنابيب عابرة للحدود، إذ يتعين على الدول الاعتماد على ناقلات النفط البحرية التابعة لأكبر منتجين في العالم، الولايات المتحدة وقطر.
فالغاز الأمريكي يبعد آلاف الأميال، بينما تُحاصر الإمدادات القطرية خلف مضيق هرمز بسبب الحرب مع إيران.
وبعد إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال بشكل حاد، حيث سارعت أوروبا إلى استبدال الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً.
حتى قبل الضربات الأمريكية على إيران، كان المشترون الآسيويون يشعرون بقلق متزايد حيال سوق من المتوقع أن تهيمن فيه دولتان فقط على غالبية الإمدادات الجديدة حتى عام 2030.
وفي الوقت الراهن، "تشهد آسيا منافسة سعرية شرسة، حيث تقوم أي دولة قادرة على التحول من الغاز إلى الفحم بذلك"، كما صرّح هينينغ غلويستين، المدير الإداري لشؤون الطاقة في مجموعة أوراسيا، وهي شركة أبحاث متخصصة في المخاطر السياسية.
وتُبرز هذه الاضطرابات أيضًا المخاطر طويلة الأجل للاعتماد على الغاز الطبيعي المسال، حيث يقول غلويستين، "إذا كنت مستوردًا، فستقول: حسنًا، هناك أزمتان كبيرتان خلال خمس سنوات، لا يمكننا الاستمرار في التعامل مع هذا الوضع".
وتلعب اليابان دورًا محوريًا في المنطقة كوسيط، حيث تستورد الغاز الطبيعي المسال وتعيد تصديره إلى دول جنوب شرق آسيا.
ولسنوات، سوّقت اليابان وغيرها من الدول الموردة للغاز الطبيعي المسال كوسيلة للدول التي تعتمد على الفحم لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، مع خفض الانبعاثات في الوقت نفسه.
أزمة تتكرر
وبدأت العديد من دول جنوب شرق آسيا بزيادة أحجام وارداتها بشكل ملحوظ في أوائل العقد الثاني من الألفية الثانية مع تناقص احتياطيات الغاز المحلية.
وقادت تايلاند هذا التوجه، حيث أنشأت محطتين رئيسيتين للاستيراد واتخذت خطوات لتحرير سوق الغاز المحلي.
وبحلول عام 2022، كان الغاز الطبيعي يُولّد أكثر من نصف احتياجاتها من الكهرباء، بينما يُولّد الغاز الطبيعي المسال أكثر من نصف احتياجاتها من الكهرباء.
ويمثل الغاز الطبيعي المسال ما يقارب ربع هذا العرض، مرتفعًا من 2% فقط في عام 2011، وفقًا لبيانات مركز أبحاث الطاقة في آسيا والمحيط الهادئ، وهو مركز أبحاث في طوكيو.
وأثرت الحرب الروسية الأوكرانية سلبًا على الثقة في الغاز الطبيعي المسال، فعندما قطعت موسكو إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا عام 2022، اتجهت الدول الأوروبية الغنية نحو سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي، وغالبًا ما تفوقت في عروضها على الاقتصادات الآسيوية النامية.
وأجبرت حالات النقص الناتجة عن ذلك، الدول على الحد من الواردات وتحمل انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، وفي تايلاند، ارتفعت أسعار الكهرباء إلى مستويات قياسية، ما دفع الحكومة إلى تأجيل إيقاف تشغيل وحدات توليد الطاقة بالفحم في محطة ماي موه.
وبعد أربع سنوات، يتكرر النمط نفسه، ففي هذا الشهر، أمرت الحكومة التايلاندية محطات توليد الطاقة بالفحم بالعمل بكامل طاقتها، وبدأت في استخدام مبالغ كبيرة من صندوق دعم الطاقة الحكومي للمساعدة في امتصاص الصدمات السعرية.
وقالت دينيتا سيتياواتي، وهي محللة طاقة أولى مقيمة في إندونيسيا في مركز أبحاث إمبر: "مع إعادة توجيه السفن، فإن ذلك يؤدي مرة أخرى إلى اتساع الفوارق الاقتصادية بين الدول الغنية والاقتصادات الناشئة".
إجراءات احترازية
ويقول تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، إن عدد كبير من البلدان الآسيوية اتخذت مجموعة من الإجراءات الاحترازية للحد من استهلاك الطاقة في ظل الأزمة الراهنة.
ففي تايلاند، على سبيل المثال، تحث الحكومة المواطنين على ارتداء ملابس صيفية خفيفة لتقليل الاعتماد على مكيفات الهواء، بينما في ميانمار، يُسمح للسيارات الخاصة بالعمل في أيام متناوبة فقط، وفقًا لأرقام لوحاتها.
وفي بنغلاديش، حصل طلبة الجامعات على إجازات مبكرة، لفرض انقطاعات مُخططة للتيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد لترشيد استهلاك الطاقة.
وفي الفلبين، ألزمت بعض المكاتب الحكومية موظفيها بالعمل من المنزل يومًا واحدًا على الأقل أسبوعيًا، بينما حظر الرئيس فرديناند ماركوس الابن السفر غير الضروري في القطاع العام.
كما أعلن ماركوس عن تقديم مساعدات نقدية لسائقي الدراجات النارية ثلاثية العجلات والمزارعين والصيادين لمساعدتهم على مواجهة ارتفاع أسعار النفط.
وفي فيتنام، تُشجع الحكومة المواطنين بشدة على البقاء في منازلهم قدر الإمكان لترشيد استهلاك الوقود، كما دعت الحكومة المواطنين إلى "ركوب الدراجات الهوائية، ومشاركة السيارات، واستخدام وسائل النقل العام، و"الحد من استخدام السيارات الخاصة عند الضرورة".