«ثروة إيرانية» بلندن تكشف شبكات التفاف معقدة على العقوبات
في حي سكني هادئ شمال لندن يُعرف باسم “شارع المليارديرات”، حيث اعتاد الأثرياء الروس التنافس على اقتناء قصور فاخرة، برز حضور إيراني لافت.
ويكشف هذا الحضور الإيراني في الشارع اللندني عن شبكة مالية معقدة نجحت لسنوات في تجاوز العقوبات الغربية والاستقرار في قلب العاصمة البريطانية.
وتشير معطيات عقارية وسجلات رسمية إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الفاخرة الممتدة على طول “شارع الأساقفة” أصبحت جزءًا من محفظة عقارية مرتبطة بأموال إيرانية، يربطها مسؤولون غربيون بالحرس الثوري الإيراني، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وكان المصرفي الإيراني علي أنصاري قد استحوذ عام 2018 على أراضٍ وعقارات مجاورة بنحو 90 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل حوالي 120 مليون دولار اليوم، عبر كيان خارجي مسجل في جزيرة مان، في صفقة تمت خارج المملكة المتحدة.
شبكات مالية عابرة للحدود
بعد فرض عقوبات بريطانية على أنصاري في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، جُمّدت هذه الممتلكات، وتحولت الأراضي إلى مساحات مهجورة تغطيها الأعشاب، في مشهد يتناقض مع الطابع الفاخر للحي الذي تزينه الحدائق المشذبة والمشاريع العقارية الحديثة.

إلا أن هذه الصورة تتجاوز كونها حالة إهمال عقاري، لتجسد نموذجًا لآليات نقل الأموال الإيرانية عبر شبكات دولية معقدة رغم القيود الغربية.
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تكثف التدقيق في شبكات مالية يُشتبه في استخدامها لتمويل أنشطة عسكرية وأمنية إيرانية، إضافة إلى دعم حلفاء طهران في الخارج. ووفق مسؤولين غربيين، تمتد هذه الشبكات من الشرق الأوسط إلى مراكز مالية عالمية مثل تورنتو وهونغ كونغ وسنغافورة، فيما تبرز لندن كحلقة محورية.
ويرى خبراء في القطاع العقاري وإدارة الثروات أن انتشار الشركات الوهمية، إلى جانب سياسات سابقة أقل صرامة تجاه مصادر الأموال الأجنبية، جعل من العاصمة البريطانية وجهة جاذبة للأثرياء الإيرانيين.
وتقدر جهات رقابية بريطانية أن أكثر من 100 مليار جنيه إسترليني من الأموال غير المشروعة تُغسل سنويًا داخل المملكة المتحدة أو عبرها.
في السياق ذاته، كشفت السلطات الأمريكية عن رصد نحو 9 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة خلال عام 2024، معظمها عائدات نفط وغاز جرى تحويلها عبر شركات وحسابات وهمية في آسيا والشرق الأوسط.
عقارات فاخرة وشبهات سياسية
تشمل ممتلكات أنصاري في لندن قصرًا فاخرًا شمال المدينة اشتراه عام 2014 مقابل 33.7 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى شقتين فاخرتين في كنسينغتون بقيمة إجمالية تبلغ 36 مليون جنيه.
وتقع الشقتان بالقرب من السفارة الإسرائيلية وقصر كنسينغتون، ما أثار تقارير إعلامية بريطانية بشأن أبعاد أمنية محتملة، بينها مخاوف من استخدام العقارات لأغراض المراقبة.
وقال فرزين نديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والذي درس الشؤون العسكرية الإيرانية وتدفقات أموال النظام الدولية، إن علاقة أنصاري الوثيقة بكبار مسؤولي النظام "سرٌّ معروف في إيران".

ويرى باحثون أن استخدام طبقات من الشركات الخارجية في شراء العقارات الفاخرة يتيح للنخب المرتبطة بالنظام الإيراني تحويل الأموال مع الحفاظ على صورة داخلية متقشفة. ويشير محللون إلى أن هذه الاستراتيجية تحاكي نماذج استخدمها أثرياء روس سابقًا في السوق اللندنية.
وجاء تجميد أصول أنصاري بعد اتهامات بريطانية له بتقديم دعم مالي للحرس الثوري الإيراني، في وقت كان فيه المساهم الأكبر في بنك “آينده” الإيراني، الذي انهار أواخر 2025 وسط ديون ضخمة، ما ساهم في اندلاع احتجاجات داخل إيران. وينفي أنصاري هذه الاتهامات، مؤكداً عبر محاميه أنه لا تربطه أي علاقة مالية بالمؤسسة العسكرية.
ولا تقتصر القضية على أنصاري، إذ تكشف سجلات شركات عن استخدام كيانات بريطانية وأجنبية لتحويل أموال مرتبطة بإيران إلى أوروبا، بما يشمل استثمارات في قطاع الفنادق. ومن بين هذه الحالات، فندق بوتيكي في لندن بيع عام 2018 لكيان مرتبط برجل أعمال عراقي بريطاني، تتهمه واشنطن بإدارة شبكة تساعد إيران على الالتفاف على عقوبات النفط.
ومع تشديد الإجراءات الرقابية منذ الحرب في أوكرانيا، لا تزال لندن تواجه تحديًا مستمرًا في التصدي لتدفقات الأموال المشبوهة، بينما تبقى قضية الثروات الإيرانية مثالًا بارزًا على قدرة شبكات مالية دولية على التكيف مع القيود، واستغلال الثغرات التنظيمية في الأسواق العالمية.
في ظل هذه التطورات، تبقى التساؤلات قائمة حول حجم الأصول الإيرانية غير المكتشفة في لندن، ومدى فعالية الإجراءات الجديدة في كبح تدفقها، خاصة مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية وتزايد الرقابة الدولية على حركة الأموال العابرة للحدود.