سلاح الفصائل وخطوط واشنطن الحمراء.. حقيبة مثقلة ترافق الزيدي إلى إيران (خاص)
في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، يتوجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران وسط تصاعد التوترات الإقليمية، واضعاً على طاولة المباحثات ملفين يُعدان من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للعراق والمنطقة.
فإلى جانب مساعي بغداد لاستثمار علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وطهران لإحياء مسار التهدئة وإعادة فتح قنوات الحوار بين إيران والولايات المتحدة اللتين دخلتا مرحلة جديدة من المواجهة بعد تفاهم إسلام آباد، تبرز قضية حصر السلاح بيد الدولة بوصفها استحقاقاً داخلياً يرتبط بمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي والمهلة المحددة في نهاية سبتمبر/أيلول المقبل.
وبين رهانات الوساطة الدبلوماسية والضغوط المرتبطة بملف الفصائل المسلحة، تبدو زيارة الزيدي اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على الجمع بين متطلبات الاستقرار الإقليمي وترسيخ سيادة الدولة في الداخل.
ويغادر الزيدي إلى طهران يوم الخميس في ثالث محطة خارجية له منذ توليه منصبه بعد زيارة إلى الولايات المتحدة التي استمرت 6 أيام الأسبوع الماضي، ثم محطة سريعة في قطر.
رسائل واشنطن
وكشف قيادي بارز في الإطار التنسيقي لـ"العين الإخبارية"، عن أن الزيدي أطلع الإطار في اجتماع جرى عقده مساء الإثنين في مكتب زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي على رسالة حملها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استئناف المفاوضات مع إيران، شريطة أن يكون مضيق هرمز مفتوحاً ودون رسوم وتحت أي ذريعة".
ولفت القيادي مشترطاً عدم الكشف عن هويته أن زيارة الزيدي لن تقتصر على العلاقات الثنائية، بل ستتضمن رسائل سياسية تمهد لدور عراقي في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة.
وأضاف أن بغداد ترى أن استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن العراقي، الأمر الذي يدفعها إلى التحرك دبلوماسياً لتقريب وجهات النظر.
وتابع القيادي العراقي، أن "الإدارة الأمريكية أبلغت رئيس الوزراء العراقي بأنها ترحب بأي خطوة يقوم بها لتهدئة الأوضاع في المنطقة، في إشارة إلى زيارته المرتقبة إلى طهران".
وأوضح أن "الزيدي أكد للإطار التنسيقي بأن ترامب أبلغه بقدرته على إسقاط النظام الإيراني وتدمير البلاد في غضون ساعتين لكنه لا يريد الذهاب إلى هذه الخطوة".
وعند سؤاله عن إمكانية أن يلعب العراق دور الوسيط بين طهران وواشنطن، قال المصدر، إن العراق يمتلك اليوم فرصة أكبر للعب دور الوسيط مقارنة بالسنوات الماضية، مستفيداً من الانفتاح الأمريكي على حكومته واستمرار قنوات التواصل مع إيران.
لكنه ربط "نجاح هذا الدور بمدى استعداد واشنطن وطهران للعودة إلى طاولة الحوار، فضلاً عن قدرة بغداد على تحويل تبادل الرسائل إلى مسار تفاوضي حقيقي يخفف من حدة التوتر".
محطة حاسمة بشأن سلاح الفصائل
ولفت القيادي في الإطار التنسيقي إلى أن "زيارة الزيدي بالإضافة إلى نقل رسالة أمريكية لطهران، ستركز على ملف تسليم الفصائل الشيعية المدعومة من إيران سلاحها للحكومة العراقية
وأوضح أن لهذا الملف أهمية استثنائية بعد أن أصبح جزءاً من التفاهمات التي طرحتها بغداد في إطار إعادة صياغة علاقتها مع واشنطن، حيث تؤكد الحكومة أن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي يتطلب انتقال العراق إلى مرحلة جديدة تقوم على احتكار الدولة للسلاح، فيما لا تزال بعض الفصائل المسلحة تتمسك بمواقفها الرافضة للتخلي عن ترسانتها.
وأكد أن هناك قناعة متزايدة داخل البيت السياسي الشيعي، بأن موعد انسحاب القوات الأمريكية في 30 من سبتمبر/أيلول المقبل يمثل نقطة تحول في هذا الملف.
وأكد أن الإطار التنسيقي يقف إلى جانب توجه الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، مشيرًا إلى أن هذا الملف نوقش خلال اجتماعات عدة بين الإطار ورئيس الوزراء.
وبحسب القيادي في الإطار التنسيقي، فإن انسحاب القوات الأجنبية في 30 سبتمبر/أيلول يسقط المبررات التي استندت إليها بعض الفصائل للاحتفاظ بالسلاح خارج مؤسسات الدولة، مشيراً إلى وجود اتفاق سياسي على أن تكون القوة العسكرية بعد ذلك التاريخ حكراً على الدولة العراقية.
وأوضح أن بعض الفصائل باشرت بالفعل بتسليم جزء من أسلحتها، بينما تنتظر فصائل أخرى ترتيبات ومواعيد محددة، مؤكداً أن الحكومة تتابع هذا الملف بشكل مباشر.
وشدد على أن الزيدي سيبحث مع القيادة الإيرانية مستقبل الفصائل المسلحة بعد انتهاء المهلة، في ظل النفوذ الذي ما تزال طهران تحتفظ به لدى عدد من تلك الفصائل، الأمر الذي يجعل الموقف الإيراني عاملاً مؤثراً في نجاح أو تعثر مشروع الحكومة ولجوئها إلى خيارات قضائية وعسكرية ضد الفصائل الرافضة.
الفصائل.. مواقف متباينة
ورغم الحديث عن تفاهمات سياسية، فإن بعض الفصائل لا تزال تعلن تمسكها بسلاحها. فقد أكدت "المقاومة الإسلامية في العراق" في بيان صدر عقب مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في 8 يوليو/تموز الجاري، أن سلاحها "ليس خياراً للمساومة"، متعهدة بمواصلة تطوير قدراتها العسكرية.
كما شدد الأمين العام لجماعة كتائب حزب الله، أبوحسين الحميداوي، على استمرار الفصيل في نهج "المقاومة"، محذراً من أي ضغوط تستهدف نزع السلاح.
في المقابل، يرى القيادي في حديثه، أن الملف ليس واحداً بالنسبة لجميع الفصائل، موضحاً أن الجهات المنخرطة في العملية السياسية تختلف عن تلك التي لا تزال تعمل خارج الإطار السياسي، ما يجعل آلية معالجة الملف تختلف من فصيل إلى آخر.
ماذا دار في واشنطن؟
وترتبط أهمية الزيارة الإيرانية -أيضاً- بما جرى خلال زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، حيث كشف رئيس الوزراء في مقابلة مع مجلة «ذا أتلانتيك الأمريكية» أنه نصح الرئيس ترامب بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران، مؤكداً أن "المفاوضات هي الخيار الأهم".
وقال الزيدي إن العراق يجب أن يكون "نقطة التقاء لا ساحة عداء بين واشنطن وطهران"، مشدداً على أن الوجود العسكري وحده لا يصنع العلاقات بين الشعوب، وأن الشراكات الاقتصادية هي الطريق الأكثر استدامة.

وأشار إلى أن بغداد تبحث إقامة شراكة استثمارية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة تمتد لثلاثين عاماً، بديلاً عن التركيز على الوجود العسكري، مؤكداً أن الحرب الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز كبدا الاقتصاد العراقي خسائر كبيرة.
وفي ملف الأمن الداخلي، شدد الزيدي على أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل خياراً لا بديل عنه، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار.
لماذا يتحرك العراق؟
التحرك العراقي لا يرتبط فقط بالرغبة في لعب دور دبلوماسي، بل أيضاً بحسابات الأمن القومي، فالعراق يعد من أكثر الدول تأثراً بأي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، نظراً لموقعه الجغرافي واعتماده الكبير على استقرار المنطقة في تجارة الطاقة والاستثمارات.
وقد كشفت الأزمة الأخيرة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز هشاشة الاقتصاد العراقي، بعدما تعرضت صادرات النفط وحركة التجارة إلى اضطرابات أثرت على الإيرادات العامة. لذلك ترى بغداد أن نجاح أي مسار تهدئة يمثل مصلحة عراقية مباشرة قبل أن يكون خدمة لأي طرف آخر.
هل ينجح العراق في الوساطة؟
يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور مؤيد الجابري أن العراق يمتلك اليوم هامش حركة أكبر مقارنة بالسنوات الماضية، بفضل استمرار التواصل مع طهران والانفتاح الأمريكي على الحكومة العراقية.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن نجاح الوساطة لن يعتمد على بغداد وحدها، وإنما على استعداد الولايات المتحدة وإيران للانتقال من التصعيد إلى الحوار، إلا أن قبول العراق كناقل للرسائل السياسية يعكس تنامي ثقله الدبلوماسي.
أما الخبير في العلاقات الدولية أحمد المذحجي، فيرى أن زيارة الزيدي قد تمثل بداية لتحرك سياسي مهم إذا تضمنت رسائل أمريكية واضحة، لكن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة بغداد على تحويل تبادل الرسائل إلى مفاوضات فعلية.
وأضاف في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن العراق سيكون من أكثر الدول حرصاً على منع اندلاع مواجهة واسعة، لأن أي حرب جديدة ستنعكس مباشرة على أمنه الداخلي واستقراره الاقتصادي.
ورغم أن "المؤشرات الحالية لا توحي بقرب استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية بصورة رسمية، فإن مجرد قبول الطرفين بدور عراقي في نقل الرسائل وتهيئة الأجواء يعكس تطوراً في مكانة بغداد الإقليمية"، يضيف المذحجي.
نتائج زيارة واشنطن
تتباين مواقف القوى السياسية العراقية إزاء التحركات الخارجية التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في دعم الانفتاح الدبلوماسي للحكومة، مع التأكيد على ضرورة خضوع نتائج هذه التحركات للرقابة البرلمانية، خاصة بعد زيارة واشنطن وقبيل الزيارة المرتقبة إلى طهران.
ويرى نواب أن نجاح السياسة الخارجية لا يُقاس بعدد الزيارات، بل بما تحققه من مكاسب سياسية واقتصادية، فيما يؤكد آخرون أن الحكومة تستحق الوقت الكافي لتنفيذ برنامجها في ظل ظروف إقليمية معقدة.
وحظيت زيارة الزيدي إلى واشنطن بدعم من الإطار التنسيقي، الذي أعلن مساندته للحكومة في تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات التي تم التوصل إليها، مؤكداً استمرار دعمه لجهود مكافحة الفساد والإصلاح.
زيارة اقتصادية
ووصف عضو اللجنة المالية النيابية رياض التميمي زيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة بأنها "إيجابية وواضحة"، مؤكداً أنها ركزت بصورة أساسية على الملف الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
وأوضح في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن الوفد العراقي ضم مختصين وشركات استثمارية، بهدف فتح المجال أمام الشركات الأمريكية والعالمية للمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد العراقي، متوقعاً الإعلان قريباً عن مشروع وطني للتنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن اللجنة المالية تعمل بالتوازي مع الحكومة على تشريع قوانين تسهم في تعظيم الإيرادات غير النفطية، لافتاً إلى أن الظروف الاقتصادية الأخيرة، خصوصاً بعد اضطراب صادرات النفط، فرضت البحث عن مصادر دخل جديدة.
وفيما يتعلق بالرقابة البرلمانية، أكد التميمي أن رئيس الوزراء لا يمانع المثول أمام مجلس النواب، معتبراً أن الزيدي "واضح في رؤيته وعمله"، وأن حضوره سيشكل فرصة لعرض نتائج تحركاته الخارجية أمام ممثلي الشعب.
نجاح الزيارات يُقاس داخل البرلمان
من جهته، ربط النائب عن ائتلاف الأساس العراقي غيث رعد آل شبع تقييم زيارة واشنطن، وما سيتبعها من زيارات، بعرض نتائجها أمام مجلس النواب.
وأكد في حديث لـ"العين الإخبارية"، أن الجميع يتمنى نجاح الزيارة إذا كانت تصب في مصلحة العراق، إلا أن البرلمان بحاجة إلى معرفة تفاصيل ما جرى من تفاهمات، وطبيعة المطالب الأمريكية، ومدى تأثيرها على السيادة العراقية.
ودعا إلى الكشف عن معايير اختيار الشركات التي جرى الاتفاق معها، مشدداً على أن البرلمان سيدعم أي اتفاقات تقوم على الكفاءة والخبرة والرصانة، لكنه في الوقت نفسه يرفض تكرار تجارب العقود السابقة التي لم تحقق نتائج ملموسة.
ويرى أن الدور الرقابي لمجلس النواب يفرض الاستماع مباشرة إلى رئيس الوزراء، باعتبار أن المؤسسة التشريعية شريك في رسم السياسات العامة للدولة.
الأولوية لدعم الحكومة
في المقابل، دعا النائب عن حزب تقدم أحد الأحزاب السياسية السنية، محمد الكعود إلى منح الحكومة مزيداً من الوقت لتنفيذ برنامجها، معتبراً أن الحديث عن استضافة رئيس الوزراء في البرلمان ما يزال سابقاً لأوانه.
وأكد الكعود في حديث لـ"العين الإخبارية"، دعم حزبه الكامل لرئيس الوزراء في ملفات مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز علاقات العراق الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن البلاد تمر بمرحلة سياسية واقتصادية حساسة تستوجب مساندة الحكومة.
وأضاف أن استقرار العراق وتعزيز سيادته يمثلان أولوية، معرباً عن أمله في أن تحقق الحكومة نتائج إيجابية خلال المرحلة المقبلة، مشدداً على استقرار العراق يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على احتكار قرار القوة.
وأكد أن جميع المؤسسات العراقية، إلى جانب المجتمع الدولي ودول الجوار، تتفق على ضرورة أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها، معتبراً أن وجود أي قوة موازية يمثل خطأً استراتيجياً يتعارض مع الدستور ومبدأ السيادة.
ورجح أن تستجيب الفصائل في نهاية المطاف لهذا المسار، وأن مسألة تسليم السلاح أصبحت أقرب إلى عامل الوقت منها إلى الخلاف السياسي.