ثقافة

ابن الجوزي.. حامل لواء الوعظ

الإثنين 2018.6.4 08:54 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 253قراءة
  • 0 تعليق
ابن الجوزي

ابن الجوزي

ثلاث سنوات قضاهم الإمام العالم المؤرخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن الشهير بـ"ابن الجوزي" الذي يرجع نسبه إلى محمد ابن أبي بكر الصديق، في كنف والده الذي رحل وتركه لا يقوى على تذكره، غير أنّ ثروته التي تركها إليه كرسها ووجهها إلى العلم، وتفرغ له. 

ذكر ابن الجوزي الذي يُقال إنه عُرف بهذا الاسم نسبة إلى شجرة جوز الهند التي كانت في داره فقط ببلدة واسط، نعيم والده بقوله في " صيد الخاطر": "فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه، وقد عرفت هذا من نفسي، فإني رُبيت في ترف". 

ولد ابن الجوزي المعروف بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي وصلت إلى ٣٠٠ في عام ٥١٠ من الهجرة، غير أنّ بعض الشيوخ يؤكدون أن ميعاد ولادته غير معلوم بالتحديد، من هؤلاء الشيوخ، الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة سابقًا، ولكن ذلك التاريخ يعد الأرجح من بين جميع التواريخ المطروحة. 

امتهن أهله التجارة في النحاس التي كانت مربحة للغاية في ذلك الوقت، ليكونوا من أكابر القوم المعروفين بغناهم الشديد، وكان له دور كبير في الناحية الاجتماعية، فقد عُرف عن ابن الجوزي اهتمامه بمساعدة الناس وبناء مدارس ومكتبات يتلقى من خلالها الجميع العلم، أبرزها المدرسة التي بناها في درب دينار، والمكتبة التي أسسها في نفس المنطقة، وجلب لها الكثير من أمهات الكتب. 

قال الإمام ابن كثير عن ورعه وزهده، وعدم مخالطة الناس، وخوفه الوقوع في الهفوات، "وكان –وهو صبي- دينًا منجمعًا على نفسه، لا يخالط أحدًا، ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، ولا يلعب مع الصبيان".. فيما وصف هو نفسه "كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها شربة، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم". 

حفظ القرآن الكريم وتلقى دروس العلم وتردد على حلقات العلماء في مسجد محمد بن ناصر الحافظ، بجانب أنه كان ملازما لحلقات الشيخ ابن الزغواني شيخ حنابلة العراق، ومعه أبي بكر الدينوري، والفقيه أبي الحكيم النهرواني وعدد من كبار العلماء، حتى عُرف عند جميع الشيوخ بقوته وتقدمه على جميع الحاضرين في التفسير والتاريخ والفقه واللغة.

كما كان أديبًا وشاعرًا مميزًا، من أشعاره في الزهد والقناعة: 

إذا قنعت بميسور من القوت .. بقيت في الناس حرًا غير ممقوت

يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي .. فلست آسي على در وياقوت

من أبرز مصنفاته في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه والتفسير والتاريخ والحساب والفلك والطب وغيرها، "زاد المسير في التفسير"، و"المنتظم في التاريخ"، و"تاريخ بيت المقدس"، و"تلبيس إبليس"، و"صيد الخاطر في اللطائف والإشارات"، و"منهاج القاصدين"، و"صفوة الصفوة". 

 يقول عنه الإمام الذهبي، "كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويسهب، ويعجب، ويطرب، ويطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ، والقيِّم بفنونه، والصوت الطيب، وكان بحرًا في التفسير، وعلامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث". 

تصدر ابن الجوزي مجالس العلم ولفت الأنظار واستقطب الناس من كافة الأرجاء والمستويات، ليصبح حديث المحافل بسبب ما عرف عنه من النقد اللاذع الذي يوجهه لخصومه، لترتفع مكانة الجنابلة ويقبل الناس على شيوخ المذهب، ليضع نفسه في خصومه مع عدد من شيوخ المذاهب الأخرى الشافعية والأحناف، تلك الخصومة الني كانت سببًا في التربص به والتخطيط لإيقاعه. 

استغل البعض تولي الناصر لدين العباسي الخلافة سنة ٥٧٥ هجريًا واستجاب لأحاديث الركن عبد السلام بن عبد الوهاب حفيد الشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي كان ابن الجوزي قد أفتى بحرق كتبه ومنعها، ليأمر الوزير بوضعه في سفينة صغيرة وينفيه إلى مدينة واسط، ويقرّر حبسه في أحد البيوت، ويمنع الناس من زيارته لـ خمس سنوات، لقى فيهم دروبًا من المحن والتعب. 

استغل ابن الجوزي تلك الفترة في قراءة كتب الحديث والتلاوة بالعشر قراءات للقرآن، حتى استطاع أن يتم حفظ القرآن الكريم بتلك القراءات، وكان حينها قد تجاوز الثمانين من عمره. 

ولكن بعد وساطة أم الخليفة الناصر العباسي تمت عودته إلى بغداد قادمًا من منفاه في واسط، وأعطي الضوء الأخضر للوعظ، وحضر الخليفة العباسي بنفسه أول حلقات الوعظ، ولكنه مرض في تلك الأثناء بشدة، وتوفي في منتصف شهر رمضان سنة ٥٩٧ هجريًا. 

قال عنه ابن كثير، "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف"، بينما قال عنه الذهبي، "ما علمت أنّ أحدًا من العماء صنف ما صنف هذا الرجل". 

أوصى ابن الجوزي أن يُكتب على قبره:  

"يا كثير العفو عمن .. كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو .. الصفح عن جرم يديه

أنا ضيف وجزاء .. الضيف إحسان لديه"

تعليقات