نتنياهو وترامب و«الاستقلال الاستراتيجي».. رحلة توازن صعب
إسرائيل تعتزم عزل علاقاتها الأمنية عن الولايات المتحدة في ظل تزايد معارضة الرأي العام الأمريكي لها.
ويدرك الإسرائيليون تماما مدى اعتمادهم الكبير على الولايات المتحدة حليفهم الأهم، والتي وقفت إلى جانبهم لعقود، ووفرت لهم أحدث المعدات العسكرية في ساحات المعارك، كما منحتهم غطاءً دبلوماسيًا في الأمم المتحدة.
لكن هذا لا يعني أنهم يرغبون في التخلي عن استقلاليتهم الاستراتيجية، أو الامتناع عن معاقبة رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو على سوء إدارته لهذه العلاقة المحورية.
ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق مع إيران، بات من الواضح تهميش إسرائيل حتى أن نتنياهو اعترف بأنه لا يعلم كل التفاصيل، وذلك وفقا لما ذكرته مجلة "فورين بوليسي" في تحليل لها.
وأشار التحليل إلى أن نتنياهو يواجه موقفًا صعبًا فهو يوازن بين استرضاء ترامب مع الحفاظ على استقلاليته في اتخاذ القرارات، وبين إظهار قيادته في عام الانتخابات.
وبينما يقلل نتنياهو من شأن التوترات في العلاقات مع أمريكا، أشارت تقارير إسرائيلية إلى وجود استياء من اتفاق إيران خاصة في ما يتعلق بمطلب طهران بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان التي تنظر إليها تل أبيب كقضية منفصلة، وتريد حرية التصرف في نزع سلاح حزب الله.
والأسبوع الماضي، تحدى نتنياهو الولايات المتحدة عندما شن هجومًا على إيران رغم تحذير ترامب، الذي أمر إسرائيل بوقف إطلاق النار.
وقال استراتيجيون إسرائيليون لـ"فورين بوليسي" إن عدم رد إسرائيل على الضربة الإيرانية التي أعقبت هجومًا إسرائيليًا على معقل حزب الله في بيروت كان سيسمح لطهران بتصوير الضربات الإسرائيلية على لبنان على أنها استفزاز لمهاجمة إسرائيل.
وكان ذلك سيرسخ سابقة خطيرة كما كان سيصوّر السياسة الإسرائيلية على أنها تابعة للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة.
غضب ترامب
حتى الآن، يبدو أن إسرائيل تجنبت غضب ترامب الذي خفف من حدّة التوترات، وقال لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إن نتنياهو لم يتحداه بإطلاق النار على إيران.
وسيحاول الإسرائيليون تجنب إثارة غضب أي رئيس أمريكي، ومع ذلك يرون ضرورة ملحة لحماية مشترياتهم من المعدات العسكرية الأمريكية من أي تأثير لترامب كما أنهم يتبنون قواعد جديدة لحماية العلاقات من تنامي المشاعر المعادية لإسرائيل في الولايات المتحدة.
وتعتمد إسرائيل على أمريكا في توفير مجموعة واسعة من أنظمة الأسلحة، فضلاً عن الدعم الدبلوماسي والاقتصادي، ويتكون أسطول الطائرات القتالية الإسرائيلي في معظمه من طائرات أمريكية الصنع ويضم مقاتلات شبحية مثل "إف-35" و"إف-15" و"إف-16".
وقال لي يعقوب أميدرور، مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو، والباحث الحالي في معهد القدس للاستراتيجية والأمن "في الهجمات على إيران، كانت جميع الطائرات التي استخدمها الجيش الإسرائيلي أمريكية الصنع".
وتعتمد إسرائيل بشكل كبير على الولايات المتحدة في توفير طائرات الهليكوبتر مثل "أباتشي" و"بلاك هوك" و"سي ستاليون"، بالإضافة إلى الذخائر، بما في ذلك قذائف المدفعية عيار 155 ملم، وقذائف الهاون عيار 120 ملم، وقذائف الدبابات، والقنابل الدقيقة.
كما طورت إسرائيل والولايات المتحدة بشكل مشترك أنظمة دفاع صاروخي متطورة، من بينها القبة الحديدية، ومقلاع داود، وأنظمة "آرو" التي تحمي المدن الإسرائيلية وسكانها من نيران العدو، وتقلل الخسائر إلى أدنى حد.
وبموجب قانون أمريكي، يجب ألا تؤثر أي أسلحة تقدم لدول الشرق الأوسط على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ويتعين على واشنطن منح تل أبيب الأولوية في الحصول على أحدث المعدات العسكرية.
وتشارك واشنطن المعلومات الاستخباراتية، وكثيرًا ما حمت إسرائيل دبلوماسيًا من قرارات الأمم المتحدة، ووجهت سياسة شركائها الأوروبيين لصالح إسرائيل، وقدمت لها مساعدات اقتصادية بمئات المليارات من الدولارات.
"الخيار النووي"
ومن المحتمل أن يقطع ترامب إمدادات الأسلحة إذا وجد أن إسرائيل تعارض الاتفاق أو بسبب سياستها تجاه لبنان، ووصف ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى والباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وقف مبيعات الأسلحة بأنه "الخيار النووي".
ومن غير المرجح أن يتخذ ترامب، الذي يتمتع بشعبية في إسرائيل، إجراء متطرفا، وتشمل الخيارات المتاحة تأخير إمدادات الأسلحة، وتقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو التهديد بسحب الدعم في الأمم المتحدة.
وترى إسرائيل أن تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لها يشكل خطراً أكبر على علاقاتها مع الولايات المتحدة من تصريحات ترامب، حيث أظهر استطلاع رأي أجراه مركز "بيو" للأبحاث في مارس/آذار الماضي، أن ما يصل إلى 60% من البالغين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية.
وتفاقم تراجع شعبية إسرائيل بسبب تعليقات بعض المحافظين، مثل تاكر كارلسون، الذين يشككون علناً في تحركات إسرائيل في غزة وأسس الدعم العسكري الأمريكي لها.
وبدأت إسرائيل الاستعداد لتقليص الإمدادات وتخطط لتطوير وتصنيع قنابل ثقيلة، وزيادة إنتاج الذخيرة، وشراء المزيد من المركبات المدرعة.
وقال أميدرور "نريد أن نكون أكثر استقلالية في إنتاج ذخيرتنا وقطع غيار أنظمة الأسلحة، وتعزيز قدراتنا الاستخباراتية، وما إلى ذلك".
لكنه أقر أيضاً بمحدودية قدرات إسرائيل وقال "لن ننتج طائرات أباتشي، أو إف-35، أو إف-15.. سنستمر في شراء هذه الأنظمة الرئيسية من الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى".
وأضاف أنه إذا جعل ترامب أو أي زعيم أمريكي آخر ذلك مستحيلاً، "فسنعود إلى السوق الحرة، ومن هو مستعد للبيع".
تهدئة المخاوف
ويعتقد الاستراتيجيون الإسرائيليون أن وقف استخدام المساعدات المالية الأمريكية قد ينقذ التعاون العسكري، وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على تقديم 38 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل بين 2018 و2028.
ومؤخرا، صرح نتنياهو بأن إسرائيل ستخفض هذه المساعدات إلى الصفر لتهدئة مخاوف من يرون في إسرائيل قوة عسكرية عظمى ودولة غنية، لا تحتاج إلى مساعدات أمريكية.
وقال أميدرور "في أمريكا، تتزايد الأصوات المعارضة لتمويل الدفاعات الخارجية.. ونحن نرى أنه من الحكمة استبدال الدعم الأمريكي المباشر بمشروعات مشتركة يساهم فيها البلدان في تمويل الابتكار وتطوير أنظمة أكثر تطورًا".
وتأمل إسرائيل أن تؤدي هذه الطريقة إلى تعزيز مصالحها وتأمين التعاون العسكري، وحمايتها من تقلبات السياسيين الأمريكيين والتغيرات المحتملة في الرأي العام الأمريكي.
وقال إيرن ليرمان، العقيد المتقاعد في المخابرات ونائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن: "المستقبل ليس قائمًا على المساعدات.. نحن في وضع يسمح لنا بأن نكون شركاء جادين، ولا نحتاج إلى الفتات".