في خضم أزمة ديموغرافية.. المنازل المهجورة تمنح اليابان حياة جديدة
في قلب الريف الياباني، وتحديدًا في محافظة ناغانو، تتحول المنازل المهجورة إلى فرص جديدة تجمع بين الإبداع والاستثمار.
يأتي هذا في ظل أزمة ديموغرافية متفاقمة تدفع المزيد من العقارات إلى دائرة الإهمال.
وأشار تقرير نشرته صحيفة "نيكي أسيا" اليابانية إلى مصطلح “أكيا” الذي يشير إلى المنازل غير المأهولة، وهو يشمل طيفًا واسعًا من العقارات، من البيوت التقليدية الريفية إلى الشقق الحديثة. ومع تراجع عدد السكان في اليابان، تتزايد أعداد هذه المنازل بوتيرة لافتة، حيث سجلت الإحصاءات الحكومية في عام 2023 نحو 9 ملايين منزل شاغر، أي ما يقارب 13.8% من إجمالي الوحدات السكنية، مع توقعات بارتفاع العدد إلى أكثر من 15 مليون منزل خلال العقدين المقبلين.
- بلدة أمريكية مهجورة تتحول إلى مزار سياحي.. أشباح ولعنة وتوقف للزمن
منازل مجانية
وروى التقرير قصة "يوجي إيشي" وهو من أوائل من تبنوا فكرة إعادة إحياء منازل “أكيا”، حيث يمتلك اليوم سبعة عقارات من هذا النوع في ناغانو. بدأ مشواره في أوائل العقد الماضي، حين كان يبحث عن منزل مهجور يمكن تحويله إلى مشروع يوفر له الاكتفاء الذاتي. ومنذ ذلك الحين، توسعت أنشطته لتشمل تحويل بعض هذه المنازل إلى مشاريع سياحية، مثل فندق بوتيكي افتتحه عام 2022.
في المقابل، ظهرت أنشطة اقتصادية جديدة مرتبطة بهذه الظاهرة، مثل خدمات تنظيف وإعادة تدوير محتويات المنازل المهجورة. ففي بلدة كيسو-فوكوشيما، تدير "فومي فوروطا" متجرًا للأثاث المستعمل، وتعتمد في عملها على تفريغ منازل “أكيا” من محتوياتها القابلة للبيع. وتؤكد أن هذا النشاط يحقق فائدة مزدوجة، حيث يساعد المالكين على التخلص من الأعباء، ويمنحها مصدر دخل مستدام.
هذا الواقع جذب اهتمامًا عالميًا واسعًا، خاصة مع انتشار مقاطع فيديو على منصات مثل “تيك توك” و”يوتيوب” تتحدث عن “منازل مجانية في اليابان”. ورغم أن معظم هذه العقارات لا تُمنح مجانًا فعليًا، فإن أسعارها المنخفضة في المناطق الريفية تجعلها فرصة مغرية للمستثمرين والمغامرين على حد سواء.

تحديات
ومع ذلك، لا يزال الإقبال مستمرًا من قبل شريحة من المستثمرين ورواد الأعمال الذين يرون في هذه المنازل فرصة لإحياء التراث المعماري الياباني، وخلق نماذج أعمال مبتكرة تجمع بين السياحة والثقافة.
وبالنسبة للكثيرين، لا تقتصر جاذبية “أكيا” على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى شغف بالحفاظ على الحرف التقليدية والعمارة القديمة، ومنح هذه المنازل حياة جديدة بدلًا من اندثارها.
في المحصلة، تعكس ظاهرة المنازل المهجورة في اليابان تحديًا ديموغرافيًا عميقًا، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقًا اقتصادية وثقافية جديدة، تجعل من إعادة إحياء هذه العقارات مشروعًا يجمع بين الربح والحفاظ على الهوية.
لكن رغم هذه الفرص، لا تخلو التجربة من التحديات. فإعادة تأهيل المنازل القديمة تتطلب استثمارات مالية وجهودًا كبيرة، إلى جانب التعامل مع تعقيدات قانونية وإدارية، مثل قضايا الميراث أو نقص العمالة المتخصصة في الترميم.
ويشير خبراء إلى أن بعض المشاريع فشلت بالفعل بسبب التكاليف المرتفعة أو الإرهاق النفسي أو سوء التقدير، مما دفع بعض المستثمرين إلى إعادة النظر في خططهم. ومن بينهم مستثمرون فضلوا التوجه نحو المدن الكبرى مثل طوكيو، حيث تكون عمليات الترميم أكثر سهولة من الناحية اللوجستية.