التعدين البحري في الأعماق الكبيرة.. الحل الياباني لأزمة المعادن النادرة
تسعى اليابان للتسريع من خطتها التي يبلغ عمرها عقدا من الزمن، وتهدف من خلالها لاستخراج العناصر الأرضية النادرة من قاع البحر العميق.
وهي خطة طموحة اكتسبت زخمًا إضافيًا بفضل سعي البلاد لتقليل اعتمادها على الإمدادات الصينية من المعادن النادرة في المستقبل.
وأعلنت اليابان اليوم الإثنين، استخراج رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة من عمق 6 آلاف متر خلال مهمة استكشافية في البحر، في إطار سعيها لتقليل اعتمادها على بكين في استيراد المعادن الاستراتيجية.
وأكدت طوكيو أن هذه المحاولة هي الأولى في العالم في مجال استخراج عناصر أرضية نادرة من مياه بهذا العمق.
وقال المتحدث باسم الحكومة كي ساتو "سيتم تحليل التفاصيل، بما في ذلك الكمية الدقيقة للعناصر الأرضية النادرة الموجودة" في العينة. ووصف الاكتشاف بأنه "إنجاز هام".
واستخرجت سفينة الأبحاث اليابانية "تشيكيو" العينة بعدما أبحرت في منتصف كانون الثاني/يناير متجهة إلى جزيرة مينامي توريشيما اليابانية النائية في المحيط الهادئ والتي تُعتبر المياه المحيطة بها غنية بالمعادن القيّمة، وتبعد 2000 كيلومتر (1243 ميلًا) عن العاصمة اليابانية طوكيو.
ويأتي هذا الإعلان في خضم ضغوط متزايدة من الصين، المورد الرئيسي للعناصر الأرضية النادرة في العالم، بعدما ألمحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي في نوفمبر/تشرين الثاني إلى إمكانية تدخّل طوكيو عسكريا في حال شنّت بكين هجوما على تايوان.
وبحسب تقرير لوكالة أنباء بلومبرغ، يهدف المشروع الطموح، إلى استخراج طين من قاع البحر العميق، غني بالمعادن، لإجراء اختبارات عليه في أقرب وقت ممكن، مع وضع مهلة زمنية لذلك بحلول فبراير/شباط 2027، وفقًا للهيئة الحكومية المشرفة على المشروع.
وقال شويتشي إيشي، مدير برنامج المنصة الوطنية اليابانية لتطوير المحيطات المبتكرة في تصريحات لبلومبرغ: "الأمر يتعلق بالأمن الاقتصادي، تحتاج البلاد إلى تأمين سلسلة إمداد للعناصر الأرضية النادرة، مهما بلغت تكلفتها، فإن الصناعة بحاجة إليها".
وأصبحت العناصر الأرضية النادرة، وهي مجموعة من العناصر المعدنية التي تعتبر حيوية في صناعات هامة مثل الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والطائرات المقاتلة، نقطة خلاف سياسي حاد، وذلك بعد أن استخدمت الصين هيمنتها على سلسلة التوريد العالمية لهذه المعادن كورقة ضغط حاسمة في الحرب التجارية التي اندلعت العام الماضي مع الولايات المتحدة.
ومؤخرا، حظرت بكين تصدير المنتجات المخصصة للاستخدامات العسكرية إلى اليابان، ما كان من أسباب العمل على تسريع وتيرة تنفيذ خطة التنقيب في أعماق البحر.
مشكلة تتطلب حلا
وتواجه اليابان مشكلة حقيقية فيما يخص اعتمادها على دول أخرى في الحصول على المعادن الأرضية النادرة.
فرغم تخصيصها مبالغ طائلة لتأمين مصادر بديلة، بدءًا من الاستثمار في منشأة فصل المعادن في فرنسا وصولًا إلى الدعم المالي طويل الأجل لشركة التعدين الأسترالية "ليناس رير إيرثز"، لا تزال اليابان تستورد نحو 70% من احتياجاتها من المعادن الأرضية النادرة من الصين.
ويرى خبراء بلومبرغ، أن اللجوء لخطة التنقيب في أعماق البحر، لن تحل هذه المشكلة في المستقبل القريب.
فحتى لو كشفت الاختبارات التي من المقرر أن تجريها اليابان في مطلع 2027، عن وجود مورد واعد، فإن التكلفة واللوجستيات ستشكل تحديات كبيرة أمام أي مطور محتمل.
كما أنه لم يسبق أن نجح استخراج المعادن من قاع البحر على نطاق تجاري واسع، رغم عمليات التنقيب المكثفة.
أيضا تسعى الولايات المتحدة، التي ليست من ضمن أعضاء معاهدة الأمم المتحدة لتنظيم التعدين في قاع البحار العميقة في المياه الدولية، إلى تسريع استخراج الموافقات اللازمة لعمليات التعدين بشتى السبل، بعد أن وقّع الرئيس دونالد ترامب العام الماضي أمرًا تنفيذيًا "يُطلق العنان للمعادن والموارد البحرية الأمريكية الحيوية.

ولكن من المرجح أن تُثير هذه التغييرات الأخيرة مخاوف عالمية، في ظل قيام الهيئة الدولية لقاع البحار بوضع اللمسات الأخيرة على قواعدها الخاصة التي تُنظم الضمانات البيئية.
ولكن ذلك لا ينطبق على مشروع اليابان الطموح، كونه ضمن مياهها الإقليمية، بالقرب من جزيرة ميناميتوري، التي تُمثل أقصى نقطة شرقية في البلاد.
ووفقًا للهيئة الوزارية المشتركة المسؤولة عن التعدين في أعماق البحار باليابان، فإنه سيتم استخراج حوالي 350 طنًا من الطين يوميًا من عمق يتراوح بين 5 و6 كيلومترات.
كما سيتم اختبار هذه الكمية لتحديد أنواع العناصر الأرضية النادرة الموجودة وكمياتها، وفق ما صرّح تادانوري ساساكي، مدير أبحاث أول في معهد اقتصاديات الطاقة، وستعتمد الخطوات اللاحقة على نتائج هذه الاختبارات.
أسباب الأزمة بين الصين واليابان
وما دفع اليابان لاتخاذ هذا التوجه، الأزمة التي بدأت مع بداية العام الجديد، حين كشفت مصادر صينية مثل موقع "تشاينا ديلي"، أن الصين تدرس تشديد إجراءات مراجعة تراخيص تصدير بعض المواد المتعلقة بالعناصر الأرضية النادرة إلى اليابان.
ويقول الموقع أن ذلك جاء ردًا على تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي، الأخيرة غير الدقيقة بشأن تايوان الصينية، ورفضها المستمر التراجع عنها، وفقًا لمصدر مطلع.
وكانت قد أعلنت وزارة التجارة الصينية، في الرابع من أبريل/نيسان الماضي، بالتعاون مع الإدارة العامة للجمارك، عن إجراءات رقابية على صادرات سبع فئات من المواد المتعلقة بالعناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة، وشمل ذلك وفق موقع "تشاينا ديلي"، عناصر الساماريوم، والغادولينيوم، والتيربيوم، والديسبروسيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإيتريوم.
وصرّح هي يادونغ، المتحدث باسم وزارة التجارة، في مؤتمر صحفي عُقد في ديسمبر/كانون الأول، بأن رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايشي، أدلت مؤخرًا بتصريحات عامة غير دقيقة بشأن تايوان الصينية، مما أدى إلى تقويض خطير للأسس السياسية للعلاقات الصينية اليابانية، وأن اليابان تتحمل مسؤولية كاملة عن ذلك.
رصيد استراتيجي هام
والعناصر الأرضية النادرة ليست نادرة فعليا إلا أن استخراجها صعب ومكلف، وتُعدّ أساسية لقطاعات اقتصادية بينها السيارات، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية، والدفاع وغيرها، وتُستخدم في صناعة المغناطيسات القوية والمحفزات والمكونات الإلكترونية، وتضم 17 عنصرا.
وتشير تقديرات إلى أن محيط جزيرة مينامي توريشيما الواقعة ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان يحتوي على أكثر من 16 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة، ما يجعله ثالث أكبر مخزون في العالم، بحسب صحيفة نيكاي الاقتصادية.
وتضم هذه الرواسب الغنية ما يعادل 730 عاما من الاستهلاك العالمي الحالي للديسبروسيوم المستخدم في المغناطيسات عالية الأداء الأساسية لصناعة الهواتف والسيارات الكهربائية، و780 عاما من استهلاك الإيتريوم، وهو عنصر يستخدم في الليزر، بحسب صحيفة نيكاي.
يحذر الناشطون البيئيون من أن عملية التعدين هذه تهدد النظم البيئية وتلحق الضرر بقاع البحر.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg جزيرة ام اند امز