سياسة

القدس وأولويات المقاطعة العربية

الإثنين 2018.2.12 10:55 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 503قراءة
  • 0 تعليق
خالد رستم

القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة لدولة إسرائيل حرّك من جديد موضوع المقاطعة والتطبيع على المستوى الشعبي، ذلك أن هذا القرار يستهدف القضية الفلسطينية التي هي بوصلة العمل العربي وحتى الإسلامي.

  يرى الفلسطينيون في داخل الوطن المحتل أن سلاح المقاطعة هو السلاح الأمضى لفاعليته، وهو آخر ما تبقى في مقارعة الاحتلال والتصدي له، وهذه الأداة المشروعة هي الأساس في تحجيم وإضعاف الكيان المصطنع، والمقاطعة إجراء دفاعي مشروع يستند إلى القوانين والمواثيق الدولية

وفي التاريخ الحديث أول مَن استخدم المقاطعة كسلاح وفي فرض العقوبات هم الأمريكيون، حين أعلنوا التمرد على الحكومة البريطانية عندما كانوا خاضعين للتاج البريطاني، بسبب رفع البرلمان البريطاني الرسوم على السكر والنبيذ والبن عام 1773م، ودعوا إلى مقاطعة البضائع البريطانية، وزحفت جماهير غفيرة إلى ميناء بوسطن في أمريكا في عام 1773م إلى باخرة بريطانية وقاموا بقذف صناديق الشاي إلى البحر، وسميت تاريخياً "حفلة شاي"، وفي عام 1774م دعا مندوبو الولايات المتحدة إلى عدم الاستيراد والتصدير من وإلى بريطانيا، وكانت الخطوة التي مهدت الطريق للثورة المسلحة التي انتهت بالاستقلال في ‪1776‬م.

ومن هنا، فإنه يتطلب تفعيل دور لجان المقاطعة العربية ضد إسرائيل، من خلال دعوة رجال الثقافة والفكر للعمل على تعميق فكرة المقاطعة في الأذهان بصفتها أداة مقاومة سلمية نبيلة شريفة ومشروعة؛ لتصبح سلوكاً وممارسةً إراديةً يطبقها جميع أنصار الحرية في العالم.

ولدت فكرة المقاطعة العربية لإسرائيل من رحم الصراع مع الیھود عام 1920م بمدينة نابلس الفلسطينية، كان ذلك في مؤتمر الجمعية الإسلامية المسيحية الذي دعا فیھا وجھاء فلسطين ومزارعوها إلى مقاطعة الیھود مقاطعة تامة، وذلك رداً على مقاطعة الیھود لمنتجات العرب من ناحية، ولعزلھم عن المجتمع الفلسطيني من ناحیة أخرى، وامتدت ھذه المقاطعة وتطورت لتشمل كثيراً من جوانب العلاقات الاقتصادية والتجاریة وتشغیل الید العاملة، إضافة إلى الامتناع عن بیع الأراضي والعقارات.

 اتخذت المقاطعة بُعداً إقليمياً لأول مرة عندما أقسم مندوبون عرب في اجتماع لھم بالقدس على منع بیع الأراضي للیھود ومقاطعة المصنوعات والمتاجر الیھودیة، وشهدت المقاطعة العربية حين وقعت ثورة فلسطين عام 1936م وامتدت حتى عام 1939، تطوراً متميزاً، وقد كان الصراع شديداً وبلغ ذروته ضد حكومة الانتداب البريطاني، وقد تشكلت لجان في بعض الدول العربية لمنع إرسال البضائع والسلع إلى فلسطین، ما لم تكن مقترنة بموافقة اللجان القومیة التي كانت تقود حركة الإضراب والعصيان العام في فلسطین خوفاً من تسلل البضائع والسلع العربیة إلى أیدي الیھود في فلسطین، وتبع ذلك عقد المؤتمر القومي العربي في بلودان بسوريا عام 1937، بحضور مندوبين من مصر والسعودية والعراق والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا، والذي وسّع حدود المقاطعة لتأخذ بُعدھا العربي خارج فلسطین، ولتشمل إضافة مقاطعة یھود فلسطين بضائع الدول الأجنبية التي تدعم مشروع الاستيطان الیھودي في فلسطین.

 بدأت المقاطعة العربية للمصالح اليهودية، قبل 28 عاماً من إعلان قيام دولة إسرائيل، ونبذت التعامل مع أي تجارة مملوكة من قبل اليهود خلال مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين، وإذا لم يلتزم صاحب البضاعة من العرب الفلسطينيين فإنه يتعرض إلى مواجهة ومساءلة، وبالتالي تجميد بضاعته، كما شهدت ثورة البراق في القدس عام 1929 مقاطعة أخرى أشد تماسكاً وقوةً، وبعد ثورة البراق طالبت اللجنة العربية التنفيذية للبرلمان السوري الفلسطيني، بالتزام شروط لجنة المقاطعة ونادت بمقاطعة التجار اليهود ما بين عامي 1922م و1934م، والتزم اتحاد العمال العرب بتنفيذها في عام 1936م، أيضاً نادت القيادة الفلسطينية العربية بمقاطعة أخرى، وهددت غير الملتزمين بها باتخاذ إجراءات مشددة بحق المخالفين لشروطها، ولكن هذه المقاطعة لم يُكتب لها النجاح باعتبار أن اليهود كانوا متغلغلين في المجتمع الفلسطيني آنذاك، من خلال المحامين والأطباء والمستشفيات.

 وفي عام 1945م، اتبع مجلس الجامعة العربية أسلوباً جديداً في محاولاته عزل المجتمع اليهودي اقتصادياً، وأعلن عن مقاطعة رسمية للبضائع اليهودية واعتبرها غير مرغوب فيها داخل الدول العربية، وطالب كل المؤسسات والمنظمات والتجار والأفراد العرب برفض التعامل بالبضائع الصهيونية أو توزيعها أو استهلاكها؛ بهدف دعم الفلسطينيين العرب في صراعهم ضد الغزاة الصهاينة، ولكن عملياً فإن الدول العربية استخدمت المقاطعة لمنع البضائع اليهودية من دخول الأسواق العربية.

 وفيما بعد عمدت الجامعة العربية إلى اتباع ثلاثة أساليب رسمية في مقاطعة البضائع والخدمات المصدرة من إسرائيل وتُسمى بالمقاطعة من الدرجة الأولى، ولا تزال مطبقة في عدد من الدول العربية، والشركات غير العربية التي تتعامل مع إسرائيل تُسمى بالمقاطعة من الدرجة الثانية، أما الشركات التي تشحن بضائعها من خلال المنافذ الإسرائيلية تُسمى بالمقاطعة من الدرجة الثالثة، وفي مرحلة ما نُفذت هذه المقاطعة من جميع الدول العربية، وتتم هذه المقاطعة بإشراف مكتب خاص في جامعة الدول العربية يُسمى مكتب المقاطعة المركزي، وله فرع في كل دولة من الدول العربية المشاركة، ولكن ما بين 1993 وحتى 2002 لم تجتمع الهيئة المنظمة بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني.

 هددت المقاطعة من الدرجة الثانية، الشركات غير العربية بعدم الاستثمار في إسرائيل أو بناء المصانع، أو منح الامتيازات أو أي نوع من أنواع التعاون غير التجاري، وإلا فإن الشركات غير الملتزمة بتعليمات المقاطعة توضع في القائمة السوداء، كما أن أي منتجات لفنانين أجانب من صناع السينما أو الموسيقيين تتم مقاطعتها إذا تم اعتبارها قريبة من إسرائيل، وعلى مستوى المقاطعة الأكاديمية في عام 2006م، قرر أعضاء الرابطة الوطنية للمعلمين ورابطة أساتذة الجامعة في بريطانيا مقاطعة إسرائيل أكاديمياً، وفي عام 2009م قررت الحكومة الإسبانية منع جامعة أريئيل الإسرائيلية من المشاركة في المرحلة النهائية للمسابقة الدولية بين كليات الهندسة المعمارية، وذلك لوجود الجامعة في مستوطنة أريئيل المقامة على الضفة الغربية.

 وفي الثالث والعشرين من أكتوبر عام 2017، دعت جامعة الدول العربية إلى تفعيل المقاطعة الاقتصادية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في إطار المقاومة السلمية للاستجابة لقرارات الشرعية الدولية، وجاء ذلك في كلمة الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة العربية خلال مؤتمر بمقر الجامعة في القاهرة، ودعت إلى ضرورة توسيع نطاق المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل على المستويين الشعبي والرسمي؛ من أجل إلزامها بإقرار حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران1967م وعاصمتها القدس.

 بدأت أعمال الحملة الدولية تحت اسم "حركة المقاطعة" وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في التاسع من شهر يوليو عام 2005م بنداء من 171 منظمة فلسطينية غير حكومية حتى تنصاع إسرائيل للقانون الدولي والمبادئ العربية لحقوق الإنسان، وهدفها إنهاء الاحتلال وتفكيك الجدار العازل والاعتراف الإسرائيلي بالحقوق الأساسية للفلسطينيين في إسرائيل بالمساواة الكاملة، وقيام إسرائيل باحترام وحماية وتعزيز حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، كما هو منصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

 الإجراءات العقابية التي تتخذها بعض الحكومات والمؤسسات الرسمية والأممية ضد دولة أو جهة تنتهك حقوق الإنسان تشمل أيضاً العقوبات العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وعلى سبيل المثال عن طريق وقف التعاون العسكري أو وقف اتفاقيات التجارة الحرة أو طرد إسرائيل من المحافل الدولية مثل الاتحاد البرلماني الدولي أو "فيفا".

 ويرى الفلسطينيون في داخل الوطن المحتل أن سلاح المقاطعة هو السلاح الأمضى لفاعليته، وهو آخر ما تبقى في مقارعة الاحتلال والتصدي له، وهذه الأداة المشروعة هي الأساس في تحجيم وإضعاف الكيان المصطنع، والمقاطعة إجراء دفاعي مشروع يستند إلى القوانين والمواثيق الدولية، وينبغي إيلاء أهمية بالغة في تطبيق الحظر وإدراج شركات على لائحة المقاطعة وإنذار شركات أخرى، ورفع شركات من لائحة الحظر، لاستجابتها لأحكام المقاطعة العربية.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات