مالي بين التفكك والتصعيد.. من يملأ فراغ السلطة؟
أعادت الهجمات الواسعة التي شنّها مسلحون في 25 أبريل/نيسان الماضي خلط الأوراق في مالي، وأطلقت موجة من التساؤلات القلقة بشأن مستقبل الدولة الواقعة في قلب الساحل الأفريقي.
ووفقا لموقع ريسبونسبل ستيت كرافت، فقد كشفت تلك العمليات، التي استهدفت مواقع حساسة وأودت بحياة وزير الدفاع ساديو كامارا، أحد أبرز أركان المجلس العسكري الحاكم، عن هشاشة غير مسبوقة في بنية السلطة القائمة، وفتحت الباب أمام سيناريوهات كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة الاحتمال.
وبينما تصاعدت التكهنات حول إمكان سقوط العاصمة باماكو في قبضة جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم القاعدة الإرهابي، برز سؤال أكثر إلحاحاً: هل باتت مالي فعلاً على أعتاب تحول جذري نحو حكم متطرف أم أن المشهد أكثر تعقيداً مما توحي به التطورات الميدانية؟
ورغم قتامة الصورة، فإن القراءة المتأنية للواقع تشير إلى أن احتمال سيطرة الجماعة على كامل البلاد لا يزال مستبعداً، فالتنظيم، على الرغم من توسعه العملياتي خلال السنوات الأخيرة، يعاني محدودية واضحة في قدراته البشرية والعسكرية مقارنة بحجم التحدي.
إذ لا تتجاوز تقديرات عدد مقاتليه، وفق أكثر التقييمات سخاءً، بضعة آلاف، وهو رقم غير كافٍ للسيطرة على دولة مترامية الأطراف كمالي، التي تمتد على مساحة شاسعة وتواجه تحديات أمنية ولوجستية معقدة.
وحتى إذا نجحت الجماعة في إحداث انهيار داخل بنية المجلس العسكري، فإن ترجمة ذلك إلى سلطة مركزية قادرة على إدارة البلاد تبدو مهمة تفوق قدراتها الحالية.
الأهم من ذلك أن الجماعة نفسها لا تبدو متحمسة لتحمل أعباء الحكم المباشر. فاستراتيجيتها، كما عكست بياناتها وتحركاتها الأخيرة، تقوم على استنزاف الدولة وإضعافها أكثر من السعي إلى وراثتها.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن التنظيمات المسلحة كثيراً ما تفضّل النفوذ غير المباشر والسيطرة الهجينة على بعض المناطق، بما يتيح لها حرية الحركة والمناورة، من دون أن تتحمل مسؤولية إدارة دولة مثقلة بالفقر والانقسامات والتحديات الخدمية. فإدارة بلد يضم أكثر من 25 مليون نسمة، يعيش جزء كبير منهم تحت خط الفقر، تتطلب بنية مؤسسية وإدارية لا تبدو الجماعة مؤهلة لتوفيرها.
كما أن إعلان إمارة إرهابية في باماكو سيضع التنظيم أمام معضلات داخلية معقدة. فالتوفيق بين متطلبات الحكم المدني وضرورات العمل المسلح، والحفاظ على تماسك تحالفاته الإقليمية المتشعبة، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، كلها تحديات قد تُفضي إلى تصدعات داخلية تهدد بنيته نفسها.
ولهذا، فإن الجماعة تبدو أكثر ميلاً إلى إبقاء الدولة في حالة إنهاك مستمر، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها تدريجياً من دون الانزلاق إلى اختبار الحكم الكامل.
لكن استبعاد هذا السيناريو لا يعني تجاهله، فإذا افترضنا جدلاً أن الجماعة نجحت في إسقاط المجلس العسكري وإعلان سيطرتها على العاصمة، فإن رد الفعل الإقليمي والدولي سيكون بالغ التعقيد.
وتستحضر هذه الفرضية مقارنات مع نماذج أخرى مثل أفغانستان، غير أن الفوارق بين هذه الحالات وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» تجعل أي تسامح معها أقل احتمالاً.
فالتنظيم المالي لا يمتلك ذراعاً دبلوماسية واضحة، ولم يُظهر حتى الآن رغبة حقيقية في الانفصال عن تنظيم القاعدة أو تقديم نفسه في صورة سياسية براغماتية، كما فعلت بعض الجماعات الأخرى.
هذه المعطيات تعني أن أي سلطة تقيمها الجماعة الإرهابية ستواجه عزلة شبه كاملة، وستُنظر إليها باعتبارها تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. وستجد دول الجوار نفسها أمام معضلة أمنية مفتوحة، في حين ستسارع المؤسسات الدولية إلى فرض عزلة اقتصادية ومالية خانقة.
ومع ذلك، فإن السياسة كثيراً ما تفرض براغماتيتها الخاصة، وقد يدفع استمرار الفوضى بعض القوى الإقليمية إلى اختبار قنوات تفاوض محدودة إذا ما أبدت الجماعة استعداداً للتخلي عن ارتباطاتها العابرة للحدود وتقديم ضمانات أمنية.
أما الخيار العسكري، الذي قد يبدو بديهياً في مثل هذه الحالة، فيواجه بدوره عقبات هائلة. فالقوى الإقليمية، وفي مقدمتها «إيكواس»، تعاني انقسامات داخلية ونقصاً في الإرادة السياسية، بينما تبدو فرنسا، التي سبق أن قادت تدخلاً حاسماً في مالي عام 2013، أقل قدرة اليوم على تكرار التجربة في ظل تصاعد المزاج المعادي لنفوذها في غرب أفريقيا.
أما الولايات المتحدة، المنشغلة بأولويات استراتيجية أخرى، فلا تبدو في وارد الانخراط في مغامرة عسكرية جديدة في الساحل.
ووفقا للتقرير، لا يبدو أن مالي تتجه نحو سقوط كامل وفوري في يد المتطرفين، لكن المؤكد أنها تدخل مرحلة شديدة السيولة والاضطراب، فالخطر الحقيقي ربما لا يكمن في انتصار حاسم لجماعة بعينها، بل في تفكك تدريجي للدولة إلى مناطق نفوذ متنازعة، بين المجلس العسكري، والجماعات المسلحة، والانفصاليين في الشمال.
وفي مثل هذا المشهد، يصبح الخيار الأكثر عقلانية أمام الفاعلين الدوليين هو الانخراط الهادئ مع مختلف الأطراف، بحثاً عن تسوية تحول دون انزلاق مالي إلى هاوية يصعب الخروج منها.