في سياق السياسة الإقليمية والعلاقات الدولية، تحاول بعض الدول الاستفادة من أي فرصة متاحة لإعادة صياغة صورها الإعلامية وتعزيز نفوذها في المنطقة.
إيران، كما هو الحال في العديد من الأحيان، تستغل المناسبات والاتصالات الدبلوماسية لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مجرد المجاملات.
من هذا المنطلق، تأتي محاولة إيران استثمار الاتصال الهاتفي بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بمناسبة عيد الفطر كمثال على كيفية محاولات طهران تعزيز صورتها الإقليمية، من خلال تحريف طبيعة العلاقات الثنائية وتضخيمها بما يتناسب مع أهدافها السياسية والإعلامية.
ولطالما كانت المكالمات الهاتفية بين القادة السياسيين وسيلة دبلوماسية تعبر عن الاحترام المتبادل والتهنئة في المناسبات الخاصة. ومع ذلك، عندما يتم تسليط الضوء على هذه المكالمات بشكل غير متوازن، كما هو الحال مع الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس الإيراني والملك عبدالله الثاني، تصبح هذه الاتصالات أداة لتوجيه رسائل سياسية بعيدة عن أهدافها الظاهرة.
وفي هذه الحالة، استغلت وسائل الإعلام الإيرانية خبر الاتصال بشكل كبير، حيث ركزت على تصريحات الرئيس الإيراني التي تضمنت وعوداً بتعزيز العلاقات الثنائية، وزعمت أن إيران ستظل تسعى لدعم الأردن في مختلف القضايا، بما في ذلك دعم القضية الفلسطينية والاهتمام بالتحديات الإقليمية.
تكمن استراتيجية إيران في تسويق هذه المكالمة الهاتفية على أنها خطوة كبيرة نحو تعزيز العلاقات بين البلدين، بل وتوسيعها. ففي حين أن الملك عبدالله الثاني في تصريحه قد أشار حسب مزاعم الإعلام الإيراني إلى "سعادته" بالعلاقات المتوسعة بين البلدين، فإن الإعلام الإيراني أضاف تفاصيل ومواقف لم ترد في البيان الأردني، حيث وصف الاتصال بالخطوة التي من شأنها تعزيز التعاون العميق بين إيران والأردن في قضايا إقليمية حيوية.
هذه المبالغة تهدف إلى إعطاء انطباع بأن العلاقات بين البلدين تسير في اتجاهات قوية ومثمرة، وهو ما يتناقض مع الواقع الذي يعكس توجس الأردن من النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة في الملفات الحساسة مثل القضية الفلسطينية والوضع في سوريا.
إيران، من خلال هذه الاستراتيجيات الإعلامية، تحاول أن توهم الرأي العام المحلي والدولي بأن علاقاتها مع الأردن، رغم واقعها المحدود، قد شهدت تطوراً نوعياً. وهذه المحاولات قد تساهم في تعزيز صورة إيران كداعم رئيسي للقضية الفلسطينية، وتُظهرها في موقع "الحليف" المهم للأردن في مواجهة التحديات الإقليمية، علما بان الأردن الرسمي يعي تماما أن جزءا كبيرا من التعقيدات التي وصلت إليها المنطقة وتحديدا عدم اتفاق الفصائل الفلسطينية تقف خلفها إيران التي تمتطي شعاراتيا موضوع فلسطين لتحسين صورتها عربيا.
ومن غير المستغرب أن يكون في هذه الرسائل محاولة لتقليل مكانة الدول الأخرى الصديقة للأردن مثل دول الخليج، حيث تصدّر إيران نفسها كمؤثر رئيسي في القضايا الإقليمية عبر إظهار القرب والتعاون مع الأردن. إذا ما تم النظر إلى الرسائل التي نشرتها الوكالة الإيرانية للأنباء، فإنها تشير إلى أن تعزيز العلاقات بين إيران والأردن يمكن أن يكون له تأثير إيجابي في تقارب المواقف بين البلدين في العديد من القضايا، بما في ذلك "دعم الشعب الفلسطيني". وبذلك، تحاول إيران استثمار هذا التوجه لإظهار نفسها كقوة إقليمية من دون منافس، وبالتالي تقليل تأثير حلفاء الأردن التقليديين.
من جهة أخرى، يظهر التحليل الرسمي للخبر الأردني، الذي أفاد بأنه لم يتم التطرق إلى قضايا معمقة في الاتصال، الحذر الشديد الذي تتبناه الدبلوماسية الأردنية.
الأردن، رغم أنه يسعى للحفاظ على علاقات جيدة مع جيرانه في المنطقة، فإنه يحرص على عدم الانخراط في تحالفات استراتيجية قد تضر بعلاقاته مع دول الخليج أو تعزز النفوذ الإيراني على حساب استقرار المنطقة. وبالتالي، فإن مثل هذه الاتصالات لا تعكس عمقاً في التعاون كما يحاول الإعلام الإيراني تصويره، بل هي مجاملات ضمن حدود الدبلوماسية المعتادة.
هذا الموقف من محاولة الابتزاز الإعلامي من طرف إيران، يعيدنا إلى محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي حاول متعمدا إحراج الأردن وقيادته خلال اللقاء الأخير في البيت الأبيض، بسماحه لمجموعة صحفيين بالدخول للاجتماع ومحاولة استثمار وجود الصحافة لتمرير تصريحات أمريكية بحضور الملك عبدالله، توحي كما لو أن الأردن موافق على تصريحات ترامب بخصوص تهجير الفلسطينيين من غزة، وهو أمر لم يفت الدبلوماسية الأردنية ولا إعلامها الذي فضح الأمر في حينه ووقف أي تعدٍ على صورة الأردن أو أي محاولة لابتزازه إعلاميا أمام الرأي العام الدولي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة