في مراسم تشييع خامنئي.. نعش «رمزي» وخليفة غائب
حشود غفيرة تسير خلف نعش علي خامنئي بالنجف العراقية في سيل بشري يحمل على أكفه صندوقا لا أحد يعرف ما بداخله.
ووسط الصيحات والتدافع والقبضات المرفوعة، سارت حشود غفيرة خلف النعش الأربعاء في مدينة النجف، حيث حُمل على أكف سيل بشري في مقام الإمام علي، قبل نقله إلى كربلاء لمحطة أخيرة في جنوب العراق، تسبق العودة الى إيران لمواراته الثرى في مشهد الخميس.
ولأن خامنئي قتل بأولى الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، تتملك مراقبون شبه قناعة بأن النعش رمزي وأنه لا يضم جثمان رجل كان يبلغ من العمر 86 عاما عند مقتله، ما يعني أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الاحتفاظ بجثمانه لأشهر طويلة.
وأظهرت لقطات لوكالة فرانس برس من العتبة العلوية في النجف، جموعا غفيرة تتدافع نحو رفع نعش المرشد الذي لفّ بالعلم الإيراني، ووضعت عليه العمامة السوداء لخامنئي، وراية خضراء.
وبحسب قناة "إيران إنترناشيونال"، فإنه "بينما يُحمل نعش علي خامنئي خلال أيام الحداد، الذي تنظمه الدولة، يحاول النظام الإيراني إعادة تصوير مقتله في زمن الحرب باعتباره شهادة واستمرارية ومصدرًا للقوة، وترميم نظام جُرح بفعل الحرب وفقدان الثقة الشعبية".
واعتبرت أن "الجنازة ليست مجرد دفن لحاكم راحل، بل هي محاولة لإعادة بناء صورة بنية سلطة أصابها الضرر"، فلقد "فقدت إيران مرشدها مع الضربة الأولى للحرب، في قلب شبكتها السلطوية نفسها، وإلى جانب عدد من أفراد عائلته".
والآن، تتابع، تحاول استخدام "النعش"، والأعلام، والمراثي الدينية، والحشود المنظمة، ولغة التضحية، لتغيير معنى تلك الهزيمة، مشيرة إلى أن يكون وجود جثمان خامنئي الحقيقي داخل "النعش" أقل أهمية مما يُراد لهذا التابوت أن يحمله من دلالات.
وهذا الغموض نفسه، يرى المصدر نفسه أنه "أصبح جزءًا من الوضع الجديد للنظام الإيراني: نظام يُخفي الحقيقة، ويدير الموت، ويحوّل الغموض إلى طقس سياسي".
ولذلك، فإن النعش لم يعد مجرد أداة جنائزية، بل أصبح رسالة. فالنظام يريد أن يُظهر أنه لا يزال قادرا على استعراض القوة، وحشد الجماهير، وصناعة رواية وطنية، بحسب القناة.
فسواء كان النعش «فارغا» أو يحمل جثمانا، فالمؤكد وفق متابعين أن إيران تودع في كل الحالات حقبة زمنية وتستقبل أخرى مختلفة تماما.
المرشد الغائب
في خضم هذا التشييع الحاشد، تتجه الأنظار إلى الغرف المغلقة، هناك حيث يتردد اسم مجتبى، نجل خامنئي وخليفته، والرجل الغائب عن الظهور منذ تعيينه بمنصبه.
ولم يظهر مجتى علنا قط، كما لم يسمع صوته منذ تعيينه، وكل ما استدعت الحاجة لحضوره، كان التلفزيون الرسمي في إيران يتلو بيانا منسوبا إليه، في غموض فاقم التكهنات بشأن صحته وقدرته على قيادة البلاد من خلف الستار.
وحين أعلنت إيران موعد تشييع خامنئي، اعتقد كثيرون أن مجتبى قد يظهر خلال مراسم تشييع والده، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ما يؤكد تقارير تحدثت عن تحصنه في مكان يصعب الوصول إليه، وأن إبلاغه بالرسائل يتم عبر وسطاء وسعاة ما يتطلب حيزا زمنيا كبيرا.
إجراءات أمنية مشددة يخضع لها المرشد خوفا من تعقبه واستهدافه، يجعله الغائب الحاضر ليس بالمشهد الإيراني فحسب، وإنما حتى في جنازة والده، وإن يعتقد مراقبون أنه قد يكون ضمن المشيعين لكن متنكرا.