أشجار قمرية على الأرض..كيف صنعت أمريكا رمزا حيا لإنجازاتها الفضائية؟
خاض رائدا الفضاء إدغار ميتشل وألان شيبارد واحدة من أسوأ جولات الغولف على سطح القمر خلال رحلة مركبة "أبولو14" في 5 فبراير 1971.
لكن ستيوارت روسا بقي على متن وحدة القيادة "Kitty Hawk"، مصطحبا معه تجربة علمية فريدة من نوعها، وهي مجموعة من البذور التي ستسافر حول القمر 34 مرة قبل العودة إلى الأرض، لتُزرع وتصبح "أشجار القمر".

قبل انطلاق المهمة، تسلم روسا أكثر من 2000 بذرة من رئيس هيئة الغابات الأمريكية إد كليف، ضمن مشروع مشترك بين ناسا وهيئة الغابات. تضمنت البذور أنواعا مثل الصنوبر لوبلولي، والقيقب، والغمام الحلو، وخشب السرو الأحمر، وثوجا دوغلاس، ووضعت في أكياس بلاستيكية داخل وعاء معدني، ثم انطلقت إلى الفضاء مع طاقم "أبولو 14".
كانت الفكرة بسيطة، وهي دوران البذور حول القمر ثم عودتها إلى الأرض لتُزرع، ومقارنة نموها مع بذور مماثلة لم تسافر إلى الفضاء. لكن بعد الهبوط، تعرضت البذور لمشكلة، إذ انفجرت الأكياس أثناء إجراءات التعقيم، وتبعثر محتواها، ما جعل العلماء يعتقدون أنها قد فقدت صلاحيتها.
إلا أن ستان كروغمان من هيئة الغابات حاول إنبات البذور في هيوستن، وكانت المفاجأة أن العديد منها بدأ في النمو. وفي العام التالي، نُقلت البذور إلى مرافق في ميسيسيبي وكاليفورنيا، وتمكن الفريق من إنبات نحو 450 شتلة بنجاح.
تم توزيع هذه الأشجار على الولايات الأمريكية، وكرمت بعض الدول بها تحت مسمى "أشجار القمر"، بما في ذلك البرازيل وسويسرا، وحتى الإمبراطور الياباني. وأرسل الرئيس جيرالد فورد برقيات للمكرمين، جاء فيها: "هذه الشجرة التي حملها رواد الفضاء على رحلتهم إلى القمر، هي رمز حي لإنجازاتنا العلمية والإنسانية الرائعة، وتكريم مستحق لبرنامجنا الفضائي الوطني الذي جسد أفضل قيم العزيمة والتفاني."
ورغم هذا، فقد ضاعت العديد من أشجار "أبولو 14 "، إذ لم توضع علامات تميزها عن غيرها، ما جعل تتبعها صعبًا. وفي عام 1996، حاول عالم ناسا ديف ويليامز حصر مواقع هذه الأشجار، وعثر على نحو 110 منها، توفي 30 شجرة بينها، فيما ساعدت ابنة رائد الفضاء روسا لاحقًا في توزيع 12 شجرة من الجيل الثاني.
اليوم، تعود تجربة أشجار القمر مجددًا ضمن برنامج"أرتيمس"، حيث أرسلت ناسا بذورًا في مهمة غير مأهولة عام 2022 حول القمر. وزُرعت هذه البذور في 236 موقعا بالولايات المتحدة، وتستخدم في المدارس لتعزيز الفضول العلمي لدى الطلاب.
وقالت أدريا غيليسباي، مدربة العلوم في منطقة "جرينفيلد" التعليمية: "من خلال زيارة الطلاب للأشجار، نما اهتمامهم بالعناية بها، وزاد فضولهم لاستكشاف المجهول في الفضاء."
وتأمل ناسا أن تبقى هذه الأشجار حية ومميزة، وأن يُسهم الطلاب والجمهور في تتبع مواقعها، فكل شجرة تحمل جزءًا من رحلة البشر إلى القمر.