فرنسا وإسرائيل.. «مطبات دبلوماسية» تهز التحالف القديم (خبراء)
توتر حاد وغير مسبوق يشوب العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، رغم التاريخ الطويل من الشراكة بين البلدين.
فعبر تبادل للاتهامات وإصدار قرارات سياسية، انكشفت عمق الأزمة بين الجانبين، التي لا يمكن فهمها فقط من زاوية الخلافات السياسية الآنية، لكن ضمن تغييرات أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع قدرة القوى التقليدية على التأثير، وتتصاعد منطق القوة والردع على حساب الدبلوماسية متعددة الأطراف، بحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم.
وقال أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي دومينيك مويسي في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن فرنسا تحاول تبني موقف «متوازن أخلاقيًا»، يجمع بين دعم أمن إسرائيل والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، لكن هذا التوازن أصبح أكثر صعوبة في ظل الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب.
وأضاف أن إسرائيل، في السياق الحالي، لم تعد تتقبل بسهولة مواقف الحلفاء التي تحمل أي قدر من النقد، خاصة مع تصاعد الشعور بالعزلة الدولية، مشيرًا إلى أن أي موقف أوروبي تنظر إليه تل أبيب من زاوية «الولاء الكامل أو العداء»، مما يفسر ردود الفعل الحادة تجاه باريس.
أزمة بالنظام الدولي
من جانبه، قال الباحث المتخصص في العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس برتران بادي في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الأزمة الفرنسية الإسرائيلية تتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه، معتبرًا أن الأزمة الحالية تعكس «أزمة في قواعد اللعبة الدولية».
وأوضح أن الدبلوماسية التقليدية، القائمة على الحوار والتوازن، «أصبحت أقل تأثيرًا أمام صعود سياسات القوة، خاصة في النزاعات الإقليمية المعقدة».
وأشار إلى أن فرنسا تجد نفسها في موقع صعب؛ فهي من جهة تريد الحفاظ على دورها كقوة دبلوماسية مستقلة داخل أوروبا، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطًا من تحالفات غربية تقليدية، إضافة إلى تعقيدات داخلية مرتبطة بالرأي العام.
وأضاف أن أحد العناصر الجديدة في هذه الأزمة هو تداخل السياسة الخارجية مع الحسابات الداخلية لدى الطرفين، ففي إسرائيل، تستخدم الحكومة الخطاب التصعيدي لتعزيز تماسكها الداخلي في ظل الحرب، بينما في فرنسا، تؤثر مواقف الدولة من الصراع على النقاشات السياسية والاجتماعية الداخلية، ما يجعل أي قرار دبلوماسي أكثر حساسية.
ولفت بادي إلى أن تراجع فعالية المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، جعل الدول تميل إلى التحرك بشكل أحادي أو ضمن تحالفات ضيقة، وهو ما يضعف فرص الوساطة ويزيد من حدة التوترات.
واعتبر أن الأزمة الحالية قد لا تكون مجرد «أدنى نقطة» في العلاقات الثنائية، بل قد تمثل بداية لإعادة تعريف العلاقة بين فرنسا وإسرائيل، موضحاً أن باريس تسعى إلى تأكيد استقلالية قرارها الدبلوماسي، بينما تميل تل أبيب إلى تفضيل شركاء يقدمون دعمًا غير مشروط.
مستقبل العلاقات
أما عن المستقبل، فرأى أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي دومينيك مويسي أن استعادة التوازن في العلاقات تتطلب «إعادة بناء الثقة»، وهو أمر لن يتحقق إلا مع تهدئة إقليمية أوسع.
فيما حذر الباحث المتخصص في العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس برتران بادي من أن استمرار منطق التصعيد قد يؤدي إلى تهميش الدور الأوروبي بالكامل في الشرق الأوسط، لصالح قوى أخرى أكثر انخراطًا ميدانيًا.
وأشار الباحث الفرنسي إلى أن الأزمة الحالية تحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تكشف عن تحول أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث تتراجع الدبلوماسية التقليدية، ويزداد تأثير الصراعات الإقليمية على التوازنات العالمية، ما يجعل من الصعب على قوى مثل فرنسا الحفاظ على دورها التاريخي كوسيط فاعل في المنطقة.
علاقات تاريخية مليئة بالأزمات
وقالت إذاعة "20 مينيت" الفرنسية، إنه منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، مرت العلاقات الفرنسية الإسرائيلية بمحطات توتر عديدة، كان أبرزها أزمة عام 1967 عقب حرب الأيام الستة، عندما قرر شارل ديغول فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، التي كانت آنذاك تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الفرنسي.
وأوضحت الإذاعة الفرنسية أنه رغم هذه الأزمات، ظلت العلاقات قائمة على توازن بين الدعم السياسي والخلافات الدبلوماسية، حتى وصلت اليوم إلى مستوى يوصف بأنه من الأسوأ منذ عقود.
تصعيد غير مسبوق
وأشارت الإذاعة الفرنسية إلي أنه في أبريل/نيسان 2026، ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، تصاعدت حدة التوتر بين البلدين بشكل ملحوظ. فقد اتخذت إسرائيل خطوات تصعيدية، بينها وقف شراء المعدات الدفاعية الفرنسية، واعتبار باريس “ليست صديقًا لإسرائيل”، إضافة إلى استبعادها من محادثات مباشرة مع لبنان، بدعوى أن مواقفها "غير متوازنة".
في المقابل، جاءت هذه الخطوات ردًا على مواقف فرنسية اعتبرتها تل أبيب معادية، خاصة بعد تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون في 2024، والتي انتقد فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية، مؤكدًا أن "الدفاع عن الحضارة لا يكون بنشر الهمجية"، وفقاً للإذاعة الفرنسية.
كما زاد التوتر بعد قرار فرنسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر/أيلول 2025.
علاقة «متدهورة».. ولكن
ونقلت الإذاعة الفرنسية عن الباحثة في المعهد الفرنسي للشرق الأوسط إرمينيا كيارا كالابريزي، قولها، إن فرنسا "تدفع ثمن" اعترافها بالدولة الفلسطينية، بينما وصف السفير السابق دينيس بوشار العلاقة بأنها "سيئة للغاية وتقوم على مواجهة حادة".
لكن هذا التقييم لا يحظى بإجماع كامل، إذ أكد المؤرخ الفرنسي فريدريك بوزو علي ضرورة التمييز بين التصريحات السياسية الظرفية والأسس العميقة للعلاقة.
وشدد المؤرخ الفرنسي على أن فرنسا لم تشكك يومًا في دعمها الأساسي لوجود إسرائيل، وأن هذا الدعم لا يزال قائمًا رغم الخلافات الراهنة.
سياسة أم استراتيجية؟
وبحسب المؤرخ الفرنسي، فإن التصعيد الإسرائيلي يدخل ضمن «سياسة ضغط متكررة» تمارسها حكومة بنيامين نتنياهو تجاه باريس، بهدف التأثير على مواقفها.
ورأى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، ذات التوجه اليميني المتشدد، قد تجد مصلحة في توتير العلاقات، خاصة في ظل الحرب الإقليمية، لمنع دول مثل فرنسا من تبني مواقف “متوازنة” قد تضغط على تل أبيب.
وأشار إلى أن التصريحات الحادة والمتكررة قد تكون جزءًا من استراتيجية تهدف إلى التأثير ليس فقط على السياسة الخارجية، بل أيضًا على التوازنات الداخلية داخل فرنسا.
هل هو أدنى مستوى تاريخي؟
ورغم حدة الأزمة الحالية، يرى بعض الخبراء أن العلاقات الفرنسية الإسرائيلية شهدت أزمات مماثلة أو أشد في الماضي، لكن ما يميز الوضع الراهن هو تزامنه مع حرب إقليمية مفتوحة، وقرارات سياسية حساسة مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية.