أوروبا والمظلة النووية الفرنسية.. «توازن دقيق» بين الأمن والتصعيد
جهود فرنسا لنشر رؤوس حربية استراتيجية في الدول الاسكندنافية قد تقود إلى توتر العلاقات مع روسيا وحتى داخل حلف «الناتو» نفسه.
ففي 2 مارس/آذار الماضي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تغييرات جوهرية في عقيدة الردع النووي الفرنسية تمثلت في زيادة في المخزون النووي الفرنسي لأول مرة منذ عام 1992.
كما ستتوقف باريس عن نشر حجم مخزونها النووي نهائيًا وسيجعل هذا التعتيم التحقق والحوار بشأن الحد من التسلح أمرا مستحيلا من الناحية العملية.
وأعلن ماكرون أن فرنسا ستتبنى سياسة "الردع الاستباقي"، والتي قد تشمل "نشر عناصر مؤقتة من قواتنا الجوية الاستراتيجية في الدول الحليفة" وإشراك الحلفاء في دعم القوات النووية الفرنسية، وقد وقعت 9 دول أوروبية بالفعل على هذه السياسة.
وفي 27 مايو/أيار الماضي، انضمت النرويج رسميًا إلى المبادرة من خلال اتفاقية "نارفيك"، في حين تقيم فنلندا حاليًا مشاركتها في المبادرة، بالإضافة إلى سعيها لرفع الحظر المفروض منذ فترة طويلة على استضافة الأسلحة النووية.
خيار صعب
وذكر موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت" أنه للوهلة الأولى، يبدو أن أوروبا تولي أخيرًا اهتمامًا جديًا لدفاعها، إلا أن الأمر يختلف تمامًا بالنسبة لمن يؤمنون بأن الأمن الدائم يتم بناؤه عبر الدبلوماسية والحد من التسلح وتقليل المخاطر.
فقد يكون نشر فرنسا لأسلحتها النووية في شمال أوروبا تصعيدًا نوويًا متسلسلًا، وقد يزعزع الاستقرار بشكل كبير ويقوض فرص الحد من التسلح مستقبلًا.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن واشنطن نفسها تنضم إلى سباق التسلح النووي، حيث تفيد التقارير بأن الولايات المتحدة تجري محادثات لتوسيع نطاق نشر الأسلحة النووية ليشمل دولًا أوروبية إضافية في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بالإضافة إلى الدول الست التي تستضيف حاليًا طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية، لتشمل دولًا على الجناح الشرقي للحلف، بما في ذلك بولندا وبعض دول البلطيق.
وتأتي هذه المحادثات "السرية للغاية"، كما وصفتها صحيفة "فايننشال تايمز"، في الوقت الذي سحبت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواتها وألغت عمليات نشر الأسلحة المخطط لها في أوروبا.
وأشار محللون دفاعيون فرنسيون إلى أن قاعدة مثل "باردوفوس" النرويجية ستمكن طائرات "رافال بي" الفرنسية من الوصول بسرعة إلى "مورمانسك"، الأسطول الشمالي الروسي، ورادارات الإنذار المبكر التابعة له في غضون 15 دقيقة فقط.
بل إن بعض الأهداف الروسية ستكون قابلة للوصول من داخل المجال الجوي النرويجي نفسه، دون الحاجة إلى التزود بالوقود.
وإذا انضمت فنلندا، فستتحول إسكندنافيا بأكملها فجأة إلى جبهة جديدة للعمليات النووية الفرنسية، وبالتالي ستحتاج روسيا إلى إعادة النظر في دفاعاتها الجوية والصاروخية على امتداد جناحها الشمالي بأكمله.
وكانت هلسنكي قد انضمت إلى حلف الناتو عام 2023 فقط، بدافع من حرب أوكرانيا في 2022، وسيغير وجود قاعدة للطائرات الفرنسية المسلحة نوويًا في فنلندا، التي تشترك في حدود طولها 833 ميلًا مع روسيا، يغير المعادلة النووية في الشمال تغييرًا جذريًا.
روسيا تحتج وتتوعد
ولا تستهين روسيا بهذه التطورات فقد انتقدت موسكو بشدة التسلح النووي الفرنسي ووصفته بأنه "مزعزع للاستقرار بشدة"، وطالبت بإدراج الأسلحة النووية الفرنسية والبريطانية في أي محادثات مستقبلية للحد من التسلح.
كما وصفت السفارة الروسية في النرويج التعاون النووي الجديد في أوسلو بأنه تهديد مباشر، ووعدت بالرد.
وستزيد تحركات فنلندا لرفع الحظر القانوني المفروض على استضافة الأسلحة النووية من حدة التوترات في أوروبا.
فبعد إعلان هلسنكي عن خططها لمراجعة قانونها، حذرت موسكو من أن مثل هذه الخطوة ستجعل فنلندا أكثر عرضة للخطر، وأن نشر الأسلحة النووية هناك سيؤدي أيضًا إلى رد فعل.
ويساهم تقارب دول الشمال الأوروبي مع الأسلحة النووية الفرنسية في تطبيع أوسع نطاقًا قد يمتد إلى مناطق أبعد، وبينما تركز الشراكة الفرنسية الحالية بشكل أساسي على شمال ووسط أوروبا، فإن هذا قد يشجع حكومات أوروبا الشرقية، مثل دول البلطيق، على طلب الانضمام.
وبالفعل، تتجه ليتوانيا نحو رفع الحظر الدستوري المفروض على الأسلحة النووية والقواعد العسكرية الأجنبية، ولذلك، فإن ما يحدث في شمال أوروبا قد ينذر بمستقبل نووي محتمل للقارة بأكملها.
ووفقا لـ"ريسبونسيبل ستايت كرافت"، فإن هذه التحركات لا تجعل أوروبا أكثر أمانًا، فتقليص فترات الإنذار وتصعيد المخاطر يزيد من صعوبة السيطرة على أي أزمة محتملة.
عداء بلا داع؟
كما يرى الموقع أنه قد تكون هذه المبادرة قصيرة الأجل، مما يخلق عداء بلا داع فلم يتبق لماكرون سوى أقل من عام في منصبه، ومن غير المرجح أن يكمل خلفيته المحتمل مشروعه.
وحذرت مارين لوبان زعيمة أقصى اليمين الفرنسي والمرشحة الأوفر حظًا من أن "مشاركة الردع [الفرنسي] تعني إلغاءه".
وانتقد حليفها جوردان بارديلا إمكانية دمج الترسانة النووية الفرنسية في أوروبا، كما أن جان لوك ميلانشون مرشح أقصى اليسار يعد من أشد منتقدي إعادة التسلح.
ورغم ترحيب حكومات شمال ووسط أوروبا بهذه المبادرة الفرنسية، إلا أنها تمهد الطريق لتوترات وعدم استقرار في المستقبل.
وسبق أن أوضح ماكرون أن فرنسا ستحتفظ بسلطة اتخاذ القرار المنفردة بشأن إطلاق الصواريخ.
ومع ذلك، إذا كان الحلفاء الأوروبيون سيتحملون المزيد من التكاليف المالية فمن المرجح أن يصروا على المشاركة في عملية صنع القرار بشأن نشر السلاح النووي، فضلًا عن استخدامه، لكن تقاسم السيطرة قد يؤدي إلى انهيار المصداقية وحالة من عدم اليقين مما قد يفضي إلى تصعيد غير مقصود.
وإذا كان القلق الذي يدفع العواصم الأوروبية نحو الغطاء النووي الفرنسي أمر مفهوم فإن سعيهم الحثيث للانضمام إلى المظلة النووية الفرنسية، يغيب عنه التوازن الدقيق بين استعادة الثقة وإثارة التصعيد.
وقد يكون السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو الدبلوماسية وإعادة فتح حوار الحد من التسلح مع روسيا، والاتفاق على تدابير بناء الثقة، وفتح قنوات اتصال عسكرية مباشرة قبل فوات الأوان.