«حرب الإمدادات» في مالي.. البنية التحتية سلاح الإرهابيين لإرباك السلطة (خبيران)
في تصعيد يعكس تحولا في طبيعة المواجهة داخل مالي، باتت الجماعات الإرهابية تراهن على استهداف البنية التحتية والخدمات الحيوية كأداة لإرباك السلطة واستنزاف الدولة، عبر ضرب طرق الإمداد وشبكات الكهرباء والنقل.
هذا ما يجمع عليه خبراء ممن يرون أنه رغم التعقيد الذي يتسم به المشهد الحالي بالبلد الأفريقي، إلا أن المجلس العسكري أظهر قدرة على المواجهة من خلال العمل على إعادة تشكيل معادلة الاستقرار وكبح تقدم المسلحين.
ولا تزال مالي تعيش واحدة من أصعب أزماتها في ظل حصار يفرضه إرهابيو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطون بتنظيم القاعدة وانفصاليو «جبهة تحرير أزواد» على العاصمة باماكو، وسط محاولات لعزل المدينة عبر قطع الإمدادات وترويع المدنيين بالطرق المؤدية إليها.
وتجددت الأزمة في هذا البلد منذ 25 أبريل/نيسان الماضي، حين شن الإرهابيون والانفصاليون هجوما متزامنا استهدف عدة مواقع في باماكو ومدن رئيسية بينها كاتي معقل المجلس العسكري الحاكم، وكيدال، أحد أكبر مدن الشمال.
براغماتية
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول ألكسندر تورسون، الباحث السياسي الفرنسي الأمريكي المتخصص في أمن الساحل الأفريقي، إن المسألة ليست مجرد "تصعيد إرهابي"، بل محاولة منظمة لخنق العاصمة اقتصاديًا ونفسيًا.
ويوضح تورسون أن تكتيك المسلحين يستهدف ذلك «عبر استهداف طرق الإمداد (حرق الحافلات والمركبات)، والبنية التحتية الحيوية (الكهرباء)، والضغط على السكان (انقطاعات طويلة للكهرباء)».
وبحسب الخبير، فإن المجلس العسكري في مالي قد ينجح في استراتيجيته لمواجهة الإرهابيين عن طريق استعادة المبادرة الميدانية، والضربات الجوية، معتبرا أن استمرار العمليات يشير إلى أن الجيش لم يفقد السيطرة، بل يعيد توزيع قواته بشكل أكثر مرونة.
خطوط الإمداد
ولفت إلى أن «دخول مئات شاحنات الوقود إلى باماكو تحت حماية عسكرية يعكس قدرة الدولة على كسر الحصار جزئيًا، كما يظهر وجود دعم شعبي متنامٍ، والمظاهرات المؤيدة تعني أن المجلس العسكري لا يزال يمتلك شرعية داخلية، وهي عنصر حاسم في حروب الاستنزاف».
بدورها، ترى دجِنابو سيسيه، الباحثة في «مؤسسة البحث الاستراتيجي» بالعاصمة الفرنسية باريس، أن الهجمات التي طالت الحافلات والبنية التحتية الكهربائية، خاصة المرتبطة بسد مانانتالي، تكشف عن تطور نوعي في تكتيكات الجماعات الإرهابية، التي باتت تعتمد على ما يمكن وصفه باستراتيجية إنهاك الدولة».
وبحسب تقارير إعلامية، يواصل إرهابيو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، حصارهم لمدينة باماكو، وقد أُضرمت النيران في ما لا يقل عن 12 حافلة بين مدينتي سيغو وباماكو خلال عطلة نهاية الأسبوع.
كما دُمرت البنية التحتية الكهربائية المتعلقة بسد مانانتالي المهم في منطقة كايس، أو «مدينة الذهب» كما تعرف محليا.
من جانبه، يواصل الجيش المالي عملياته، وقد تمكنت مئات الشاحنات الصهريجية من دخول باماكو، أما في منطقة كيدال، فلا يزال الوضع على حاله، ويبدو أن تجدد القتال أمر لا مفر منه.
وإلى جانب الحافلات، أحرق المسلحون سيارات أيضا، وفي كل مرة، يُجبر هؤلاء الركاب على الخروج من المركبات قبل إضرام النار فيها، ويقول أحد الشهود إنه لم يتمكن من حصر عدد حطام السيارات التي صادفها على الطريق.
«اختبار ناجح»
ووفق سيسيه، فإنه «بدلًا من السعي للسيطرة المباشرة على المدن الكبرى، تعمل هذه الجماعات على تقويض قدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والنقل، بهدف خلق حالة من السخط الشعبي التدريجي».
وتشير إلى أن استهداف طرق الإمداد بين سيغو وباماكو ليس عشوائيًا، بل يندرج ضمن خطة لعزل العاصمة اقتصاديًا ونفسيًا، ما يضع المجلس العسكري أمام اختبار معقد الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل ضغوط معيشية متزايدة.
وأكدت سيسيه قدرة المجلس العسكري على الصمود، معتبرة أن ما يظهر على السطح من ضغط يخفي في المقابل تحركات ميدانية فعالة.
وتابعت أن الضربات الجوية التي ينفذها الجيش في مناطق مثل غاو (شمال) تعكس استمرار امتلاك زمام المبادرة، كما أن نجاح السلطات في تأمين دخول مئات شاحنات الوقود إلى باماكو تحت حماية عسكرية مشددة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على كسر محاولات الحصار.
وأضافت أن الدعم الشعبي، الذي تجلى في التجمعات المؤيدة، يمثل عنصرًا حاسمًا في هذه المرحلة، إذ يمنح المجلس العسكري هامشًا سياسيًا لمواصلة نهجه الأمني دون انهيار داخلي.