«مثلث السلفادور».. هل توقظ مالي «مارد الحدود» في ليبيا؟ (خبراء)
عند تقاطع مثلث حدودي بين ليبيا والنيجر والجزائر وتشاد، تربض حركات مسلحة بانتظار أي فوضى قد تمنحها تأشيرة التحرك أو التمدد.
وفي ذلك الحيز الجغرافي الواقع بقلب الصحراء الكبرى، يتراءى «مثلث السلفادور» كممر رئيسي لتهريب الأسلحة وملاذ للجماعات المسلحة، ورغم أنه يظل بمثابة نقطة «ترانزيت»، إلا أن مخاطره تبدو كبيرة على الدول التي تتقاطع عند أضلاعه.
ومع تجدد الأزمة في مالي عقب هجمات متزامنة استهدفت عدة مناطق بينها العاصمة باماكو من قبل إرهابيين وانفصاليين، يعود المثلث إلى الواجهة، ليس فقط باعتباره قاعدة خلفية محتملة لهؤلاء المسلحين، بل أيضا لدوره المحتمل في نقل شظايا الأزمة إلى الجارة ليبيا.
ورغم أن خبراء يعتقدون أن الجيش الليبي نجح في سد ثغرات الحدود الجنوبية والتصدي للمسلحين والمهربين، تماما كما أعاد إعمار منطقة ظلت مهمشة لسنوات طويلة، إلا أن آخرين يرون أن المخاطر تظل موجودة في ظل التغيرات الحاصلة بمناطق واقعة على حدود التماس مع هذا البلد.
فإلى أي مدى يمكن تقييم المخاطر الفعلية التي تهدد ليبيا في ضوء تجدد أزمة مالي؟
المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يرى أن «النقاط الحدودية بشكل عام تعتبر أخطر النقاط بالدولة، وقد تشكل نقاط قوة أو ضعف خاصة حين نتحدث عن الحالة الليبية: حدود مترامية الأطراف، نقطة عبور مهمة للمهاجرين غير النظاميين، وأيضا صحراء شاسعة، ومناخ ملائم لعصابات التهريب (البشر. الوقود/ المخدرات) إضافة للجماعات الإرهابية».
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول إنه «عندما نتحدث عن مثلث السلفادور تحديدا، فهو من أخطر البقع بالحدود الليبية، ومسألة تأمينه صعبة وإن كان الجيش الليبي يقوم بمهام كبيرة في تلك المنطقة».
ومستدركا: «إلا أن هذا المثلث يعتبر من أهم النقاط لعصابات التهريب، وحتى إن نجحت القوات المسلحة، سواء الليبية أو جيوش الجزائر أو النيجر أو تشاد، في تأمينه، فمعضلة التهريب ودخول العصابات خاصة في ظل وجود معارضة تشادية تنشط في المنطقة إضافة إلى عصابات قادمة من النيجر وبعض المخاطر المتأتية من الجزائر، كل هذه الخلطة تؤثر بشكل كبير جدا على الدولة الليبية».
لكن، ورغم توليفة المخاطر المحدقة بالجنوب الليبي بشكل خاص، إلا أن المحلل السياسي الليبي محمد امطيريد يؤكد أن «القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية تقف اليوم كحائط صد استراتيجي بوجه أخطر التنظيمات المسلحة العابرة للحدود والتي تحاول تحويل الجنوب الليبي إلى ساحة خلفية لتصفية حسابات إقليمية».
وشدد امطيريد، في حديثه لـ«العين الإخبارية»، على أن «ما حققه الجيش الليبي من سيطرة مطلقة في الجنوب لم يكن صدفة بل هو نتاج عمليات احترافية دحرت تحالفات معقدة كانت تظن أن الجنوب الليبي سيبقى منطقة تهميش مستباحة كما كان في عهد الحكومات السابقة».
وبعودته على مكامن المخاطر المحتملة لارتدادات أزمة مالي في «مثلث السلفادور»، يشير الخبير الليبي إلى أنه «في هذه المنطقة الوعرة، تتمركز بقايا فصائل متمردة أبرزها جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد (فاكت/ تمرد) وهي المجموعة المسؤولة عن مقتل الرئيس التشادي السابق، وتتألف في بنيتها من مقاتلين من قبائل الدازا».
وتوفي رئيس تشاد السابق إدريس ديبي، في أبريل/ نيسان 2021، متأثرا بجروح أصيب بها في اشتباكات مع المتمردين شمالي البلاد.
ويشير امطيريد أيضا إلى «المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية (يتكون من جماعات معارضة مسلحة مناهضة للنظام التشادي) والذي يعتمد بشكل أساسي على مقاتلين من قبائل التيبو الحدودية».
وبحسب الخبير، فإن «هذه المجموعات ليست مجرد تشكيلات متمردة محلية بل هي جزء من تحالف أوسع يمتد إلى مالي حيث ترتبط بعلاقات عملياتية مع تنسيقية حركات أزواد (انفصاليون)، والخطير في الأمر هو ما رصد مؤخرا من تنسيق بين هذه الحركات الانفصالية وبين تنظيمات متطرفة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة».
ويخلص امطيريد إلى أن ما تقدم «يخلق هجينا مسلحا يزاوج بين المطالب العرقية والأجندات الإرهابية مدعوما بتمويل ضخم ناتج عن فرض إتاوات على مناجم الذهب التبر والاتجار بالبشر».
«ترابط عضوي»
في قراءته، يعتبر الدكتور أحمد ميزاب، مدير مركز "أفريك جيوبولتيك" للدراسات الاستراتيجية، أن الجنوب الليبي «يشكل اليوم إحدى أكثر البيئات القابلة للاختراق الأمني في شمال أفريقيا، وذلك نتيجة تداخل عوامل جغرافية وقبلية واقتصادية وأمنية تجعل المنطقة امتدادا عضويا لأزمة الساحل، خاصة ما يجري في مالي والنيجر وتشاد».
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول الخبير الجزائري في القضايا الأمنية والاستراتيجية، أنه في هذا السياق يبرز ما يعرف بـ«مثلث السلفادور» الواقع عند تقاطع الحدود الليبية مع الجزائر والنيجر وتشاد، باعتباره شريانا حيويا للحركات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
وهذه المنطقة، يوضح ميزاب، تحولت تدريجيا إلى فضاء مفتوح لحركة السلاح والمقاتلين، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية الواسعة وضعف الرقابة الميدانية.
ومن العوامل التي يمكن أن تساهم بطريقة أو بأخرى في رفع منسوب المخاوف، يشير الخبير إلى التركيبة السكانية بالجنوب الليبي والتي قال إنها «تمثل عاملا إضافيا في تعقيد المشهد».
طرح يعزوه إلى أن «قبائل الطوارق تمتلك حضورا قويا وممتدا داخل الجنوب الليبي، في بيئة تتقاطع فيها الامتدادات القبلية مع شمال مالي والنيجر».
لكن الأوجلي لا يتفق مع هذا الطرح، مؤكدا من جانبه أن «الجنوب الليبي يشهد عملية تأمين شاملة وناجحة، وإن كان هناك بعض الخروقات وهذا أمر طبيعي يحدث في كل دول العالم»، مستشهدا بالضربات التي ألحقها الجيش الليبي بمجموعة مسلحة تحمل اسم «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وقام خلالها بطرد عناصرها من أماكن تمركزها والقبض على العديد منهم.
والأوجلي يرفض أيضا ربط الطوارق بأي تحرك معاد للجيش في الجنوب، مؤكدا أن «هذه القبائل مكون أصيل بالمجتمع الليبي، والمجموعة المسلحة لا تمثلهم»، لافتا في الآن نفسه إلى وضعية مختلفة يمثلها «المجلس الأعلى لقبائل الطوارق».
ويشير إلى أن هذا المجلس القبلي «مؤيد تماما للقوات المسلحة ولفكرة وجود الدولة وحركة الإعمار بالجنوب»، المنطقة التي قال إنها «أصبحت تشهد عمليات إعمار وبناء وغيرها».
الجغرافيا والثروات
نقطة تقاطع أخرى يعرج عليها ميزاب في حديثه عن العوامل التي يمكن أن تفتح المجال للحديث عن ارتدادات محتملة لأزمة مالي على ليبيا.
ويقول ميزاب بهذا الشأن: «جغرافيا، تتشابه البيئة الأمنية بين شمال مالي وجنوب ليبيا إلى حد بعيد: فضاءات صحراوية مفتوحة، تضاريس وعرة، كثافة سكانية ضعيفة، ومساحات يصعب إخضاعها للرقابة الكاملة، وهذه العوامل تمنح التنظيمات الإرهابية هامشا كبيرا للمناورة والتحرك وإعادة التموضع».
كما أن «ثروات المنطقة تمثل عاملا حاسما في تغذية الصراع»، وفق ميزاب الذي يشير إلى أن «الذهب الخام أو التبر المنتشر في أجزاء واسعة من شمال مالي والجنوب الليبي أصبح موردا اقتصاديا موازيا تستقطب عائداته الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة».
ووفق رؤيته، فإن «الكثير من المسلحين لم يعودوا يتحركون بدافع أيديولوجي فقط، بل ضمن اقتصاد حرب قائم على السيطرة على المناجم ومسارات التهريب وحماية القوافل».
لكن الأخطر، بحسب الخبير الأمني الجزائري، هو أن «المنطقة تشهد تقاطعا متزايدا بين الإرهاب والجريمة المنظمة، فالمسالك الصحراوية الممتدة من مالي والنيجر وتشاد نحو الجنوب الليبي أصبحت ممرات مفتوحة لعبور السلاح والمقاتلين والوقود والمخدرات والبشر، ما يعزز التنسيق والتواصل بين التنظيمات الناشطة في الساحل وتلك الموجودة داخل العمق الليبي».
وهذا الترابط يجعل أي تدهور أمني في مالي أو النيجر قابلا للانتقال بسرعة نحو ليبيا، والعكس صحيح، بما يحول الجنوب الليبي إلى عقدة استراتيجية ضمن الخارطة الأمنية لمنطقة الساحل والصحراء، على حد قوله.
«حائط صد»
وجود التهديدات أمر بديهي في ظل التطورات والصراعات القائمة بأفريقيا بشكل عام، لكن تظل الجهود المحلية محورية في التصدي للتحديات وخفض منسوبها، وهذا ما يشهده الجنوب الليبي، وفق الأوجلي.
وفيما يؤكد وجود تهديدات من مالي بشكل أو بآخر، يعرب الخبير عن قناعته بـ«وجود اهتمام من القيادة العامة بالجنوب، ما يمنح انطباعا بأن القيادة العامة مهتمة وفطنة لكل التحركات التي يمكن أن تحدث في الجنوب الليبي سواء من مالي أو غيرها».
ويشدد الأوجلي على أن «التأمين مسألة حتمية، وأعتقد أن الأيام القادمة قد تجعل من التنظيمات الإرهابية الناشطة في مالي تدرك جيدا أن ليبيا ليست كالسابق وأنه لا يمكن العبث في جنوبها ولا بأي مكان فيها».
رؤية يؤيدها امطيريد بالقول إن «القيادة العامة للجيش الليبي وضعت تخطيطا محكما يعتمد على الاستباقية والردع».
واستشهد بمثال عن ذلك ما جرى في فبراير/ شباط الماضي حين «نفذت وحدات الجيش عملية نوعية خاطفة في الجنوب الغربي وتحديدا بمنطقة التوم، عقب هجوم غادر واستطاعت خلاله تحرير جنود مختطفين ومداهمة أوكار كانت تلك التنظيمات تظنها حصينة».
وتابع: «استطاع الجيش الليبي بسواعد ضباطه وجنوده المنضبطين تفكيك ما يسمى بغرفة عمليات تحرير الجنوب التي يقودها محمد وردكو، وهي واجهة تستخدمها بعض الفصائل الأجنبية لمحاولة شرعنة وجودها».
و«بدلا من سياسة التهميش السابقة»، يقول، «فرضت القيادة العامة واقعا جديدا يرتكز على المداهمات النوعية وتطهير الكهوف والمناطق الجبلية في مثلث السلفادور من مخازن السلاح والوقود والسيطرة على الموارد وتأمين مناجم الذهب ومنع تحولها إلى مصادر تمويل للمرتزقة».
وشدد على أن ما تقدم يجري «مع التمييز الدقيق بين المكونات الوطنية الأصيلة من تيبو وطوارق وعرب وبين المليشيات الأجنبية التي تحاول التستر خلفهم».