أشجار القرم.. «كنوز بيئية» تقود الإمارات حراكا عالميا لحمايتها
يحل، الأحد، اليوم العالمي لصون النظم البيئية لأشجار القرم، فيما تتواصل جهود ومبادارات الإمارات لحماية تلك الأشحار المهمة لصحة كوكبنا.
مبادرات على الصعيدين المحلي والدولي ترسم الطريق نحو مستقبل أكثر استدامة، عبر حماية أشجار القرم المعروفة عالميا بـ"المانغروف" والتوسع في زراعتها كونها تشكل درعاً طبيعياً يحمي من ارتفاع منسوب مياه البحر، وتآكل السواحل، وتداعيات تغير المناخ.
محليا، أطلقت الإمارات مبادرة "100 مليون شجرة قرم" بحلول 2030، ودوليا أطلقت الإمارات "مبادرة تحالف القرم من أجل المناخ" التي تستهدف دعم وتعزيز وتوسيع مساحات غابات القرم عالمياً كأحد الحلول في إطار تعزيز الحلول المستندة إلى الطبيعة في مواجهة التغير المناخي وحماية التنوع البيولوجي.
وعلى الصعيد الإقليمي، أطلقت دليلاً لرصد النظم البيئية لأشجار القرم في منطقة الخليج العربي، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها في المنطقة لتعزيز المعرفة العلمية وممارسات حماية أشجار القرم.
ويهدف الاحتفال باليوم العالمي لصون النظم البيئية لأشجار القرم الذي يحل في الـ26 من يوليو/تموز من كل عام، إلى زيادة الوعي بأهمية النظم البيئية لأشجار القرم باعتبارها ’’نظامًا بيئيًا فريدًا ومميزًا ومعرضًا للخطر‘‘ ولتعزيز الحلول من أجل إدارتها واستخداماتها المستدامة والحفاظ عليها.
واعتمد هذا اليوم الدولي من قبل المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في عام 2015.
يحل الاحتفال بذلك اليوم في وقت تقود فيه دولة الإمارات حراكا عالميا لاستنهاض جهود حماية شجرة القرم وتعزيز موائلها الطبيعية ، بعد نجاح تجربتها الملهمة في هذا الصدد على الصعيد المحلي.
وتعد محميات أشجار القرم (المانغروف) عالمياً أحد الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تحديات التغير المناخي، وتعزيز جهود امتصاص انبعاثات غازات الدفيئة.
وتتمتع "أشجار القرم" بقدرتها على التخفيف من آثار التغير المناخي، وحماية الجزر والشواطئ من عوامل التعرية، والإسهام في تخفيض الانبعاثات الكربونية، فيما تعد بيئة داعمة للتوازن البيئي للعديد من الكائنات من خطر الانقراض.
وأمام هذا الواقع تبرز أهمية ما تقوم به الإمارات من جهود لحماية شجرة القرم واستعادة دورها البارز في تعزيز استدامة النظام البيئي العالمي.
100 مليون شجرة
وتعد تجربة الإمارات في زراعة غابات القرم لتعزيز مستويات التنوع البيولوجي، قصة ملهمة مليئة بالعبر والدروس المهمة.
على الرغم من تنامي مسارات التنمية في دولة الإمارات وارتفاع القيمة الاستثمارية للمساحات المطلة على الشواطئ فإن دولة الإمارات واصلت العمل على تعزيز انتشار غابات القرم، منذ تأسيسها وحتى اليوم.
وفي سبعينيات القرن الماضي، وضع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، برامج ضخمة لزراعة أشجار القرم، ساهمت إلى حد كبير في اتساع رقعة غابات القرم على مدى العقود الماضية.
ونظرا للأهمية الكبيرة لأشجار القرم، تعهدت دولة الإمارات في مساهمتها الثانية التي سلمتها مطلع عام 2021 إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، بزراعة 30 مليون شجرة بحلول عام 2030.
وفي نهاية العام نفسه، خلال مؤتمر الأطراف COP26 في غلاسكو عام 2021، رفعت دولة الإمارات هدفها الطموح لزراعة أشجار القرم من 30 إلى 100 مليون شجرة بحلول عام 2030، ما يعزز بشكل كبير حماية التربة والموائل الطبيعية، إضافة إلى دور هذه الغابات في تعزيز قدرات مواجهة تحديات تغير المناخ وخفض مسبباته.
ووفقاً لإحصاءات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، ارتفعت المساحات المزروعة بأشجار القرم لتصل إلى 201.4 كيلومتر مربع عام 2024، منها 176.8 كيلومتر مربع في إمارة أبوظبي، بنسبة 88% من إجمالي مساحة أشجار القرم في الدولة، ويتجاوز عدد الأشجار المزروعة حتى الآن 50 مليون شجرة في مختلف إمارات الدولة.
أسباب النجاح
نجاح كبير أسهم في تحقيقه أكثر من سبب أبرزها:
- التوسع في المحميات الطبيعية التي تنتشر بها أشجار القرم الذي يعد توجها استراتيجيا في دولة الإمارات للتصدي لتداعيات التغير المناخي والمحافظة على الطبيعة والتنوع البيولوجي، والذي أثمر 50 محمية طبيعية برية وبحرية بنهاية عام 2024 تتوزع في مختلف أنحاء دولة الإمارات، وذلك وفقا للمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء.
ويبرز حرص القيادة الرشيدة على المحافظة على هذه المحميات وزيادة مساحتها من خلال توجيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بزيادة مساحة المحميات الطبيعية في أبوظبي لتصل 20% من إجمالي مساحة الإمارة، ليبلغ عدد المحميات 26 محمية ضمن شبكة زايد للمحميات الطبيعية، بمساحة إجمالية تبلغ أكثر من 22 ألف كيلومتر مربع.
- التبني المبكر لتقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي أسهم في تسريع وتيرة التقدم البيئي لدولة الإمارات، إذ تستخدم الإمارات طائرات مسيرة ثقيلة مطورة محلياً ومدعومة بالذكاء الاصطناعي لنثر بذور أشجار القرم في المناطق الساحلية التي يصعب الوصول إليها.
- زيادة التوعية البيئية بأهمية أشجار القرم.
- ضمن أحدث الجهود في هذا الصدد، نظّمت هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة يونيو/حزيران الماضي الحملة التوعوية "رحلة صون الطبيعة اكتشف محمية القرم" في منتزه خور كلباء لأشجار القرم، بحضور الشيخ هيثم بن صقر القاسمي نائب رئيس مكتب حاكم الشارقة بكلباء ومشاركة ممثلين عن الجهات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية والإعلامية وأفراد المجتمع.
- وفي مايو/أيار الماضي، شهد الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد رأس الخيمة رئيس المجلس التنفيذي، الحملة التطوعية لزراعة أشجار القرم التي نظمتها هيئة حماية البيئة والتنمية، بالتعاون مع مجموعة عمل الإمارات للبيئة في محمية "خور المزاحمي".
- وفي يناير/كانون الثاني الماضي، نظّمت وزارة التغير المناخي والبيئة وهيئة دبي للبيئة والتغير المناخي، برعاية مجموعة الرستماني، فعالية مجتمعية لزراعة أشجار القرم في محمية جبل علي للحياة الفطرية بدبي.
- وفي 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت وزارة التغير المناخي والبيئة إطلاق مبادرة "القرم بعدسة الشباب"، بالتعاون مع "البرنامج العالمي للشباب بالشراكة مع شركة نيكون - الشرق الأوسط".
- تهدف المبادرة إلى دمج الفنون الإبداعية بالعمل البيئي من خلال تنظيم سلسلة من جولات التصوير الفوتوغرافي الاحترافية "Photo-Walks" في أبرز محميات القرم الطبيعية بدولة الإمارات.
- تنسجم المبادرة مع جهود وزارة التغير المناخي والبيئة لرفع الوعي البيئي المجتمعي بأهمية نظم القرم البيئية ودورها الحيوي في تخزين الكربون، وحماية السواحل ودعم التنوع البيولوجي.
ريادة بيئية
وتواصل الإمارات العمل على هدفها الطموح في زراعة 100 مليون شجرة قرم بحلول 2030، على مستوى الدولة، وذلك ضمن جهودها لتعزيز التنمية والحفاظ على أشجار القرم وإعادة تأهيلها، بالإضافة إلى الاعتماد على الحلول القائمة على الطبيعة في مواجهة التحديات البيئة، وتعزيزاً لجهود التقاط ثاني أكسيد الكربون بهدف التخفيف من آثار تغير المناخ وتعزيز قدرات التكيف معه.
تنطلق تلك الجهود في الاعتماد على النظم البيئية لأشجار القرم كحلول طبيعية لمواجهة تغير المناخ من الإيمان الراسخ بدورها المحوري في تحقيق هدف الوصول إلى الحياد المناخي بحلول عام 2050.
ويحل اليوم العالمي لصون النظم البيئية لأشجار القرم 2026 في وقت تتصدر فيه دولة الإمارات العربية المتحدة، الدول العربية ضمن مؤشر الأداء البيئي العالمي (EPI) 2026، في إنجاز يعكس نجاح النهج الاستباقي والمتكامل الذي تتبناه الدولة، والقائم على إشراك مختلف فئات المجتمع وتكامل الجهود الحكومية في تعزيز العمل المناخي، وحماية النظم البيئية، والارتقاء بالصحة البيئية.
وجاءت دولة الإمارات الأولى على مستوى المنطقة والتاسعة عالمياً في حماية المناطق البحرية الرئيسية للتنوع البيولوجي (Marine Key Biodiversity Areas - KBAs)، بما يعكس استثماراتها المستمرة في حماية النظم البيئية الحيوية، فيما حلت الثانية إقليمياً في حماية الموائل البحرية، تأكيداً لالتزامها المتواصل بالحفاظ على البيئة البحرية وصون مواردها الطبيعية.
إنجازات تأتي ثمرة رؤية القيادة الرشيدة التي أرست نهجاً تنموياً يوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية، انطلاقاً من الإرث البيئي الراسخ للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي جعل حماية البيئة وصون مواردها جزءاً أصيلاً من مسيرة التنمية الوطنية.

تحالف القرم من أجل المناخ
على صعيد مبادراتها الدولية لحماية أشجار القرم وزيادة المساحات المزروعة، أعلنت دولة الإمارات إطلاق "تحالف القرم من أجل المناخ" بالتعاون مع جمهورية إندونيسيا، وذلك خلال مؤتمر الأطراف COP27 في شرم الشيخ عام 2022.
ويهدف التحالف إلى دعم وتعزيز وتوسيع مساحات غابات القرم عالميا كأحد الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تحدي تغير المناخ، وجهود امتصاص وعزل انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً حيث تساهم أشجار القرم في تعزيز مواجهة تداعيات التغير المناخي مثل الأعاصير، والعواصف، والفيضانات.
كما تعد مخزناً للكربون بنسبة تصل إلى أربعة أضعاف الغابات الاستوائية المطيرة البرية، وتوفر مناطق خصبة وموائل طبيعية أمنة للتنوع البيولوجي البحري، وتعتمد 80% من مجموعات الأسماك العالمية على النظم الأيكولوجية الصحية لأشجار القرم.
وستقوم دولة الإمارات بالشراكة مع إندونيسيا والدول والمنظمات أعضاء التحالف بالترويج لأشجار القرم كحل قائم على الطبيعة لمواجهة تغير المناخ، والعمل على تسريع وتيرة جهود حفظ، واستعادة وتنمية نظم أشجار القرم البيئية.
ويحل اليوم العالمي لصون النظم البيئية لأشجار القرم 2026 في وقت نجح فيه التحالف في حشد 47 دولة حتى الآن للالتزام الجماعي بالحلول القائمة على الطبيعة، وتكثيف الجهود لحماية وزراعة أشجار القرم، مما يسهم بفاعلية في مكافحة التغير المناخي وصون الأنظمة البيئية الحيوية حول العالم.
مركز أبحاث
أيضا ضمن مبادرتها الدولية، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة مايو/أيار 2024 وضع حجر الأساس لمشروع "مركز محمد بن زايد – جوكو ويدودو" لأبحاث القرم بالتعاون مع جمهورية إندونيسيا وذلك بجزيرة بالي الإندونيسية والذي جاء ثمرة التزام دولة الإمارات بتقديم 10 ملايين دولار لتعزيز الجهود العالمية لتنمية القرم، التي تعد أحد أهم الحلول الحيوية القائمة على الطبيعة في مواجهة التغيرات المناخية وحماية النظم البيئية الساحلية.
يمثل مركز "محمد بن زايد - جوكو ويدودو" أحد أهم إسهامات دولة الإمارات في تعزيز الاستدامة المناخية والبيئية في العالم وحماية كوكب الأرض من آثار التغيرات المناخية ويجسد متانة الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وإندونيسيا في العديد من المجالات الحيوية وأهمها دفع منظومة التنمية المستدامة وتوحيد الجهود لخلق مستقبل مستدام للدولتين.

أول دليل من نوعه
أيضا على صعيد المبادرت الإقليمية، أطلقت هيئة البيئة – أبوظبي، بالتعاون مع المجموعة المتخصصة لأشجار القرم التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فبراير/شباط الماضي، دليلاً لرصد النظم البيئية لأشجار القرم في منطقة الخليج العربي، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها في المنطقة لتعزيز المعرفة العلمية وممارسات حماية أشجار القرم.
يُعدّ الدليل الأول من نوعه من الأدلة المصممة لبيئات دول مجلس التعاون الخليجي وهو نتاج عمل مشترك تحت مظلة مبادرة القرم- أبوظبي، وبدعم من شركة أدنوك والسفارة البريطانية في الدولة ، وجمعية علم الحيوان في لندن.
يقدّم الدليل أساليب عملية قائمة على أسس علمية دقيقة لرصد أشجار القرم والتنوع البيولوجي المرتبط بها، إذ يجمع بين التقنيات المتقدمة مثل تحليل الحمض النووي البيئي، والطرق البسيطة الميسّرة التي يسهل تنفيذها على الأفراد والمتخصصين والجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية.
ومن خلال توحيد المنهجيات وتقديم إرشادات واضحة ومبسطة، يتيح الدليل إجراء تقييمات أدق لصحة النظم البيئية، ما يمكّن صانعي القرار والعاملين في مجال الحفاظ على البيئة من وضع الخطط والتكيّف مع المتغيرات وتوسيع نطاق جهود إعادة التأهيل بشكل فعّال ومستدام.