منع التصرف في أموال محمد الخشن.. أزمة الـ44 مليار جنيه تدخل مرحلة جديدة في مصر
عاد اسم رجل الأعمال المصري محمد الخشن، رئيس شركة «إيفرجرو» للأسمدة، إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعد دخول ملف مديونيته المصرفية مرحلة جديدة من التصعيد.
ويتضمن التطور الجديد إبلاغ البنك المركزي المصري البنوك بمنعه و22 من أفراد عائلته من التصرف في أموالهم، بناء على قرار النائب العام المصري، وهو ما نفاه رجل الأعمال المصري محمد الخشن لاحقا.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصرفيين قولهم إن توجيه البنك المركزي جاء تنفيذا لقرار صادر من النائب العام، في إطار الإجراءات المرتبطة بملف إعادة هيكلة مديونيات الخشن، التي تشير تقديرات مصرفية إلى أنها تدور حول عشرات المليارات من الجنيهات.
ويعد القرار إجراء تحفظيا في ملف مالي معقد، ولا يعني مصادرة الأموال أو صدور حكم نهائي، لكنه يستهدف منع التصرف في الأصول أو نقل ملكيتها لحين استكمال الإجراءات القانونية والمصرفية الخاصة بملف الديون وإعادة الهيكلة.
ماذا قال محمد الخشن؟
أكد رئيس مجلس إدارة شركة «إيفرجرو» للأسمدة، محمد الخشن، الخميس، أنه لم يتلق أي إخطار رسمي يفيد باتخاذ إجراءات جديدة ضده أو ضد عدد من أفراد أسرته، وذلك على خلفية ما تداولته وسائل إعلام بشأن صدور قرار يقضي بمنعهم من التصرف في أموالهم.
وأوضح الخشن، في تصريحات لـجريدة «المصري اليوم» المصرية، أنه علم بالأمر من خلال ما نشر في وسائل الإعلام، دون أن يصله حتى الآن أي إخطار من الجهات المختصة، مشيرا إلى أنه كلف فريقه القانوني بمراجعة ما تم تداوله، والوقوف على حقيقة الإجراءات المنسوبة إليه، ودراسة الخيارات القانونية المناسبة للتعامل معها إذا ثبتت صحتها.
وفيما يتعلق بملف المديونية، أكد الخشن أن إجراءات إعادة الهيكلة مع البنوك الدائنة تسير وفق المسار المتفق عليه، لافتا إلى أنه وقّع، اليوم الخميس، العقد الأخير ضمن اتفاق إعادة الهيكلة، بعد استكمال توقيع عقدين سابقين، بما يعني الانتهاء من جميع العقود الخاصة بالاتفاق المبرم مع تحالف البنوك.
وأضاف أن المفاوضات والتنسيق مع البنوك لا تزال مستمرة في إطار تنفيذ خطة إعادة الهيكلة، بما يضمن استقرار أعمال الشركة، واستمرار نشاطها الإنتاجي، والوفاء بالتزاماتها المالية تجاه البنوك الدائنة، وفق الضوابط والجدول الزمني المتفق عليه.
ملف ديون ضخم
تعود الأزمة إلى مديونية كبيرة مستحقة على محمد الخشن وشركاته لصالح تحالف من البنوك الدائنة، في واحد من أكبر ملفات التعثر المصرفي المرتبطة بالقطاع الصناعي خلال السنوات الأخيرة.
وكان البنك المركزي المصري قد أعلن في أبريل/ نيسان الماضي نجاح تحالف البنوك الدائنة في التوصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة مديونية الخشن، التي أشارت تقارير حينها إلى أنها تبلغ نحو 40 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 805 ملايين دولار وفق سعر الصرف السائد وقتها.
وأكد البنك المركزي، في بيانه السابق، أن الاتفاق يضمن استيفاء كامل المديونيات المستحقة، بما يشمل أصل الدين والعوائد، مع الحصول على الضمانات الكافية لتغطية قيمة المديونية، في خطوة تستهدف حماية حقوق البنوك الدائنة وضمان استمرار النشاط الاقتصادي للشركة.
ويعكس هذا المسار حساسية الملف بالنسبة للجهاز المصرفي المصري، ليس فقط بسبب حجم المديونية، وإنما أيضا بسبب ارتباطها بشركة صناعية كبيرة تعمل في قطاع استراتيجي، وتضم آلاف العاملين، وتمتلك قاعدة تصديرية واسعة.
المركزي رفض تحويل جزء من المديونية إلى الدولار
قال مصدر مصرفي مطلع على ملف مديونية رجل الأعمال محمد الخشن لـ"العين الإخبارية"، إن البنك المركزي المصري رفض طلبات تقدمت بها بعض البنوك الدائنة لتحويل جزء من المديونية المقومة بالجنيه المصري إلى الدولار، ضمن ترتيبات التسوية وإعادة الهيكلة الجارية.
وأوضح المصدر أن البنوك الدائنة ستجري تعديلات على اتفاق التسوية الذي سبق توقيعه في يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد رفض البنك المركزي طلب تحويل جانب من الالتزامات بالجنيه إلى العملة الأمريكية.
وأضاف أن المديونية المقومة بالدولار تستحوذ على نحو 66% من إجمالي قيمة التسوية، التي تدور حول 44 مليار جنيه، فيما تمثل المديونيات بالجنيه المصري النسبة المتبقية.
وبحسب المصدر، تضم قائمة البنوك الدائنة نحو 25 بنكا، من بينها البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، وبنك القاهرة، والبنك الزراعي المصري، وبنك قناة السويس، وبنك الاستثمار العربي، وكريدي أغريكول مصر، وبنك أبوظبي الأول، والمصرف المتحد، ومصرف أبوظبي الإسلامي، وبنك بلوم، وبنك البركة مصر، وبنك الإمارات دبي الوطني، والبنك الأهلي الكويتي - مصر، إلى جانب بنوك أخرى مشاركة في التمويل.
وأكد المصدر أن تحرك البنوك في هذا الملف لا يستهدف تعطيل النشاط الصناعي للشركة، وإنما يسعى إلى تحقيق توازن بين دعم الصناعة والحفاظ على أموال المودعين وحقوق البنوك الدائنة.
وقال إن الجهاز المصرفي يتعامل مع ملف «إيفرجرو» باعتباره حالة صناعية كبيرة وليست مجرد مديونية متعثرة، موضحًا أن الهدف الأساسي من المفاوضات هو الوصول إلى حلول عملية تضمن استمرار النشاط الإنتاجي، وحماية العمالة، والحفاظ على الأصول، وفي الوقت نفسه استرداد مستحقات البنوك وفق جدول واضح وضمانات كافية.
وشدد المصدر على أن البنوك حريصة على مساندة الكيانات الصناعية الجادة، خاصة الشركات التي تمتلك أصولًا تشغيلية وقاعدة تصديرية، لكن ذلك يتم في إطار قواعد الحوكمة والرقابة المصرفية، وبما لا يخل بحقوق المودعين أو سلامة المراكز المالية للبنوك.
ماذا قالت شركة "إيفرجرو"؟
في المقابل، نفت شركة "إيفرجرو" للأسمدة، في بيان سابق، دقة الأرقام المتداولة بشأن حجم مديونيتها، مؤكدة أن أصل الدين لا يتجاوز 11.8 مليار جنيه.
وأوضحت الشركة أن أصل المديونية في ديسمبر/ كانون الأول 2021 كان يتوزع بين تمويلات محلية بنحو 6 مليارات جنيه من بنوك مصرية، إلى جانب قرض مشترك بالعملة الأجنبية بقيمة 425 مليون دولار.
وقالت "إيفرجرو" إن رقم 40 مليار جنيه المتداول لا يمثل تمويلات نقدية حصلت عليها الشركة، وإنما يعكس إجمالي الالتزامات بعد احتساب الفوائد المجدولة، وفروق أسعار الصرف، وتكلفة التمويل المتراكمة خلال السنوات الماضية.
وأرجعت الشركة تضخم قيمة الالتزامات إلى تغيرات اقتصادية حادة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، وقفزات سعر الدولار، الذي تحرك من نحو 15.7 جنيه في عام 2021 إلى نحو 54 جنيهًا في مارس/ آذار 2026، ما ضاعف قيمة الالتزامات الدولارية عند إعادة تقييمها بالجنيه.
من هو محمد الخشن؟
يعد محمد الخشن أحد أبرز رجال الأعمال في قطاع الأسمدة في مصر، واشتهر بلقب «ملك الأسمدة» مع توسع شركته «إيفرجرو» في إنتاج الأسمدة المتخصصة والمركبات الزراعية الموجهة للسوق المحلية والتصدير.
وتأسست شركة «إيفرجرو» عام 2006، وتعد من أكبر الشركات العاملة في مجال إنتاج الأسمدة المتخصصة في الشرق الأوسط، إذ تمتلك أربعة مصانع رئيسية تنتج مجموعة من المركبات الزراعية، بينها سلفات البوتاسيوم، ويوريا فوسفات، ونترات الكالسيوم، ونترات المغنيسيوم، والأسمدة الورقية.
ووفق بيانات الشركة، يعمل بها أكثر من 5 آلاف موظف، وتحقق مبيعات سنوية تقدر بنحو 12 مليار جنيه، كما تصل صادراتها إلى نحو 120 مليون دولار سنويا إلى أكثر من 80 دولة.
وتقول الشركة إن القيمة الاستبدالية لأصولها بلغت نحو 62 مليار جنيه، وفق آخر تقييم في أغسطس/ آب 2025، وهو ما تستند إليه في التأكيد على امتلاكها قاعدة أصول قوية يمكن أن تدعم موقفها في مفاوضات إعادة الهيكلة.
كيف تضخمت الأزمة؟
بدأت الضغوط المالية على الشركة مع تراكم عدة عوامل في وقت واحد، بينها ارتفاع تكلفة الاقتراض، والتقلبات الحادة في سعر الصرف، وتداعيات الأزمات العالمية على سلاسل الإمداد، إلى جانب زيادة أعباء التمويل على القروض الدولارية والمحلية.
وقالت إيفرجرو في بيانها السابق إن عدم صرف تسهيلات رأس المال العامل التي تم الاتفاق عليها مع البنوك في عام 2022 انعكس سلبًا على الطاقة الإنتاجية للشركة، التي تراجعت إلى نحو 50%، ما أدى إلى ضغوط تشغيلية ومالية إضافية.
وفي نهاية 2024، عينت الشركة مستشارًا ماليًا مستقلًا بناءً على طلب البنوك، للتفاوض بشأن إعادة جدولة الديون، قبل توقيع مذكرة تفاهم تتضمن الخطوط العامة لإعادة الهيكلة.
كما تم في ديسمبر/ كانون الأول 2025 توقيع اتفاق لإعادة جدولة الشريحة المقومة بالجنيه المصري، بينما استمرت المراجعات الخاصة بالشريحة الدولارية وتسهيلات رأس المال العامل.
ويتولى مكتب خالد أبو بكر الملف القانوني للشركة في إطار ترتيبات التسوية، فيما جرى تعيين «أورا كابيتال»، المملوكة لوزير الاستثمار الأسبق أشرف سلمان، مستشارًا ماليًا مستقلًا لشركة «إيفرجرو» للتفاوض مع البنوك بشأن جدولة المديونية وإعادة هيكلتها.
دفاع الشركة
وفي تعليق سابق على الأزمة، قال محامي الشركة، خالد أبو بكر، إن الأرقام المتداولة بشأن المديونية تحتاج إلى قراءة دقيقة، مؤكدًا أن الجهاز المصرفي المصري يتمتع بدرجة عالية من الانضباط والرقابة.
وشدد أبو بكر على أن الجدل الدائر لا يعكس الصورة الكاملة للملف، خاصة في ظل امتلاك الشركة أصولًا قوية ونشاطًا صناعيًا قائمًا، محذرًا من أن تداول أرقام غير دقيقة قد يؤثر على الثقة ومناخ الاستثمار.
ماذا يعني منع التصرف؟
ينظر إلى قرار منع التصرف في الأموال باعتباره حلقة جديدة في مسار تفاوضي وقانوني طويل بين الشركة والبنوك الدائنة، هدفه الأساسي حماية حقوق البنوك، وضمان وجود أصول كافية لتغطية المديونية، إلى حين اكتمال خطة إعادة الهيكلة أو الوصول إلى تسوية نهائية.
ويكشف الملف عن إشكالية أوسع في بعض قضايا التمويل الصناعي، إذ يمكن للمديونية الأصلية أن تتضخم بصورة كبيرة بفعل الفوائد وفروق العملة، خاصة عندما تكون هناك التزامات دولارية طويلة الأجل في بيئة شهدت تغيرات حادة في سعر الصرف.