التضخم يتراجع.. هل يفتح البنك المركزي باب خفض الفائدة في مصر؟
هل يثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة مجددا؟ الأسواق تترقب قرارا حاسمًا اليوم، رغم تباطؤ التضخم خلال يونيو/حزيران الماضي.
تتجه أنظار الاقتصاديين والأسواق المصرية، اليوم الخميس 9 يوليو/تموز 2026، إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، لحسم مصير أسعار الفائدة في رابع اجتماعات العام. وتشير التوقعات إلى الإبقاء على الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي، رغم التراجع الملحوظ في معدلات التضخم خلال يونيو/حزيران الماضي.
ويعقد الاجتماع في توقيت حساس، حيث تتداخل مؤشرات محلية داعمة للتيسير النقدي، على رأسها تباطؤ التضخم وتحسن الجنيه، مع ضغوط خارجية تدفع نحو الحذر، أبرزها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتقلب أسعار النفط، واستمرار ترقب اتجاهات الفائدة الأمريكية.
وكان البنك المركزي المصري قد قرر في اجتماعه الأخير يوم 21 مايو/ أيار 2026 تثبيت أسعار العائد الأساسية، ليستقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم عند 19.5%.
التضخم يمنح المركزي مساحة أوسع
أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.2% خلال يونيو/ حزيران 2026، مقابل 13% في مايو/ أيار، فيما انخفض الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين على أساس شهري بنسبة 0.9%.
وجاء التراجع الشهري مدفوعًا بانخفاض أسعار مجموعات رئيسية، في مقدمتها اللحوم والدواجن بنسبة 6.4%، والألبان والجبن والبيض بنسبة 2.4%، والخضروات بنسبة 12.1%، وهو ما خفف جانبًا من الضغوط السعرية التي ظلت تؤرق السياسة النقدية خلال الفترة الماضية.
ورغم هذا التحسن، لا تزال بعض المجموعات تسجل زيادات مؤثرة، مثل الإيجارات، وخدمات الصحة، والرحلات السياحية المنظمة، والوجبات الجاهزة، وهو ما يجعل مسار التضخم غير محسوم بالكامل أمام صانع القرار النقدي.
لماذا يبقى التثبيت هو السيناريو الأقرب؟
قال الخبير المصرفي محمد عبدالعال لـ "العين الإخبارية" إن السيناريو الأقرب لاجتماع لجنة السياسة النقدية هو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، رغم وجود مؤشرات محلية تبدو داعمة للخفض.
وأوضح عبدالعال أن تراجع التضخم وتحسن الجنيه وانخفاض مؤشر مديري المشتريات إلى 46 نقطة في يونيو/ حزيران، مقابل 47.1 نقطة في مايو/ أيار، كلها عوامل تعكس ضعف الطلب داخل القطاع الخاص غير النفطي، لكنها لا تكفي وحدها لدفع البنك المركزي إلى خفض الفائدة في الوقت الحالي.
وأضاف أن تثبيت الفائدة لا يجب تفسيره باعتباره تشددًا نقديًا جديدًا، بل “وقفة تقييم محسوبة”، ينتظر خلالها البنك المركزي تأكيدات أكبر على استدامة تراجع التضخم، واستقرار سوق الصرف، وهدوء المخاطر الخارجية المرتبطة بالطاقة والفائدة العالمية.
ويرى عبدالعال أن البنك المركزي قد يواصل سياسة التثبيت حتى نهاية العام، على أن يكون اجتماع ديسمبر/ كانون الأول أول فرصة محتملة للنظر في خفض جديد، بشرط استقرار الأوضاع الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط وانتظام سلاسل الإمداد العالمية.
الفائدة الحالية لا تزال جاذبة
أشار عبدالعال إلى أن مستويات الفائدة الحالية توفر عائدًا حقيقيًا مرتفعًا مقارنة بعدد من الأسواق الناشئة، وهو ما يعزز جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب، ويدعم استقرار سوق الصرف.
وأكد أن توصية صندوق النقد الدولي بالحفاظ على سياسة نقدية مقيدة لا تعني بالضرورة رفع الفائدة، بل تعكس أهمية استمرار الحذر لضمان عدم عودة الضغوط التضخمية، خاصة في ظل حساسية الأسواق الناشئة تجاه تحركات النفط والدولار.
ولفت إلى أن بعض البنوك لجأت مؤخرًا إلى رفع عوائد الأوعية الادخارية، مثل رفع البنك التجاري الدولي العائد على الشهادة الثلاثية الثابتة إلى 18%، وهي خطوة يراها “تحوطًا مصرفيًا” لاحتمال استمرار أسعار العائد المرتفعة لفترة أطول.
التضخم يتراجع لكن الحذر مستمر
اتفق المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية محمود نجلة، مع توقعات التثبيت، مؤكدًا أن معدلات التضخم السنوية تتجه للتراجع، بينما يظل الارتفاع الشهري محدودًا وقابلًا للمتابعة.
وقال نجلة إن مستويات الفائدة الحالية لا تزال مناسبة لاحتواء التضخم، خاصة مع عدم تسجيل قفزات قوية في أسعار السلع خلال الفترة الأخيرة، بل إن بعض السلع الغذائية شهدت تراجعًا واضحًا.
وأضاف أن تأثير زيادات الأجور والمعاشات الأخيرة، حال ظهوره، لن ينعكس فورًا على التضخم، بل قد يتضح خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يدفع لجنة السياسة النقدية إلى الانتظار قبل اتخاذ قرار جديد بخفض الفائدة.
"إتش سي": الاقتصاد امتص الصدمة
من جانبها، توقعت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي بشركة “إتش سي” للأوراق المالية والاستثمار، تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع يوليو/ تموز، مشيرة إلى أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على امتصاص تداعيات التوترات الإقليمية بفضل مرونة سعر الصرف وتحسن عدد من المؤشرات الخارجية.
واستندت منير إلى تحسن صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتعافي صافي الأصول الأجنبية، وتحسن تدفقات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين، إلى جانب ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وترى أن هذه العوامل تدعم موقف البنك المركزي في تثبيت الفائدة لحين اتضاح مسار التضخم والتطورات الخارجية خلال النصف الثاني من العام.
استطلاعات ترجح الإبقاء دون تغيير
أظهر استطلاع لوكالة “رويترز” شمل 13 محللًا اقتصاديًا توقعات بالإبقاء على سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، فيما أظهر استطلاع آخر لـ”الشرق بلومبرغ” شمل 10 مؤسسات مالية وبنوك استثمار إجماعًا مماثلًا على التثبيت.
وقال محمد أبوباشا، رئيس البحوث في “إي إف جي القابضة”، إن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي يدفع البنك المركزي إلى تبني سياسة حذرة، وتأجيل أي قرارات جديدة لحين اتضاح الرؤية بشأن التضخم والطاقة وتدفقات رؤوس الأموال.
هل يخفض المركزي الاحتياطي الإلزامي؟
في مقابل تثبيت الفائدة، لا يستبعد محللون أن يستخدم البنك المركزي أدوات أخرى لدعم السيولة داخل الجهاز المصرفي، وتوقع محمود المصري من بنك الكويت الوطني، وهاني جنينة من الأهلي فاروس، أن يلجأ المركزي إلى خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى نطاق يتراوح بين 12% و14%، مع الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير.
ويرى خبراء أن مثل هذه الخطوة قد توفر سيولة إضافية للبنوك، وتدعم النشاط الاقتصادي دون إرسال إشارة مبكرة بخفض الفائدة في توقيت لا تزال فيه المخاطر الخارجية قائمة.
ماذا يعني القرار للمواطن؟
تقول الدكتورة حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن تثبيت الفائدة يعني استمرار العوائد الحالية على الشهادات والودائع لفترة أطول، لكنه يدفع المدخرين إلى إعادة تقييم بدائلهم الاستثمارية في ظل استمرار التضخم.
وأضافت أن الذهب والعقارات والبورصة قد تظل خيارات مطروحة لبعض المدخرين الباحثين عن عائد أعلى، لكنها تحمل درجات متفاوتة من المخاطر، بينما تبقى الشهادات البنكية خيارًا أكثر استقرارًا لمن يعتمد على العائد الدوري.
وبين تراجع التضخم من جهة، واستمرار المخاطر الجيوسياسية والنقدية عالميًا من جهة أخرى، يبدو البنك المركزي المصري أقرب إلى تثبيت الفائدة، في انتظار أدلة أكثر قوة على استدامة المسار النزولي للأسعار قبل استئناف دورة التيسير النقدي.

