ثقافة

مراد المساري الفائز بـ"الشارقة للإبداع": في الخيال حياتنا الأخرى

الإثنين 2018.11.12 04:59 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 428قراءة
  • 0 تعليق
عن روايته الأولى

مراد المساري الفائز بجائزة الشارقة للإبداع 2018

لم يكن يعلم معلم التاريخ الشاب المغربي مراد المساري أن عمله الروائي الأول "الشجرة والعاصفة" سيمنحه، بين يوم وليلة، أملا في أن يتحقق أدبيا، وجدوى استقطاع جزء لا بأس به من وقته وجهده للالتفات إلى مشروعه الإبداعي، وذلك عندما أبلغ بفوز عمله بجائزة الشارقة للإبداع العربي، في دورتها الحادية والعشرين 2017، فعن الكتابة والرواية اليوم، واستفادة التجربة المغاربية من حركة الترجمة عن الفرنسية، وأشياء أخرى كان لـ"العين الإخبارية" معه هذا الحوار..  


  • ماذا تمثل لك جائزة الشارقة للإبداع العربي- الإصدار الأول، وتكريم الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة؟

جائزة الشارقة محطة وحافز لكل مُبدع شابّ يبحثُ عن قاعدة قُراء واسعة تتعرف على أعماله. وهي اعتراف كبير من لدن هيئة مرموقة "دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة" مشهود لها بعنايتها بالمُبدعين على الصَّعيد العربي. أما عن زيارتنا لدارة الدكتور سُلطان القاسمي فكانت مفاجأة جميلة، وتكريمُه لنا كان بمثابة تتويج آخر. خصوصا ونحنُ نعلم مكانته العلمية والثقافية وزاد يقيننا حينَ زُرنا مُتحفه الزاخر بالتاريخ والتنوع الثقافي الذي يجمعه.

  • كيف كان شعورك حينما أبلغت بفوزك بجائزة الشارقة؟

هو شُعور كل مبدع يخطو نحوَ بصمِ اسمه في سماء الأدب. كانت فرحة كبيرة بقدرِ الجُهد المبذول في العمل والوقت الذي استغرقه. وهو تثمينٌ لعمل دؤوب وإصرار متواصل نحو بلوغ الهدف. لذلك حينَ يضعُ المبدعُ كل هذه الصِّعاب نصبَ عينيه ويأتي الاعتراف لاحقًا، فلا شكَّ تكونُ فرحته عظيمة.

  • هل ترى التقدير المادي والمعنوي للكاتب يمكن أن يغيرا ملامح حياة الكاتب لاسيما إذا كان في مقتبل عمره؟

هذا يجعلنا نجيبُ عن سؤال جوهري. ما الدَّافعُ وراء الكتابة؟ هو إيجاد قارئ. فالتوجه نحو المشاركة في جائزة ما يكونُ مُحركه الأساسي هو البحث عن القارئ الذي يعتني بالعمل. وجائزة الشارقة أتاحت لنا هذا، عن طريق الاحتفاء بنا أولا ماديا ومعنويا وثانيا تقديمنا إلى قاعدة واسعة من القراء في العالم العربي. الآن أعمالنا الفائزة بالدورة ٢١ مُتوفرة بالمعارض العربية للكتاب. هذا يُعطي دافعا أكبر للمُبدعين حتى يستمروا في طريقِ إبداعهم ويُطوروا من ملكاتهم وقدراتهم وتقديم أعمال أخرى. إذن جائزة الشارقة مفتاحٌ يولجُ المبدع نحو أفق أوسع من الحلم.

  • هل (الشجرة والعاصفة) عملك الأدبي الأول بشكل عام؟

هي عملي الأول في كتابة الرواية، أما بشكل عام فهي عملي الثاني بعد المجموعة القصصية "أنا لست لك" الفائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة ٢٠١٥.

  • غالبا ما تكون الثقافة المغاربية سباقة على التفاعل مع المنجزين الأدبي والنقدي الفرنسيين، هل ترى لذلك من أثر في المنجز الإبداعي المغربي؟

التأثير الفرنكوفوني يظلُّ حاضرا إلى زمننا هذا، والعناية بالمنجزين الأدبي والنقدي الفرنسيين نابعٌ من هذه العلاقة، وفي الحقيقة هي علاقة تأثير وتأثر. وهناك من يعد أن مد الثقافة الفرنسية في المغرب الآن أكبر من المد الثقافي الذي شهدته الفترة الاستعمارية. وأثره يظهر من خلال وجود أسماء مغربية لمعت في سماء باريس. نذكر منها إدريس الشرايبي والطاهر بنجلون وعبد اللطيف اللعبي وفؤاد العروي وليلى سليماني التي تُوجت بجائزة "جونكور" بعمر الخامسة والثلاثين عن روايتها "أغنية هادئة".

  • كيف ترى علاقة جيلك بأجيال الكتاب السابقين عليه؟

هي علاقة انبهار، بالنسبة لي على الأقل. ففي عوالمهم الباهرة كان سفرنا الأول. وأعمالهم كانت وقودا أشعلَ فتيلَ الرغبة في السير على خُطاهم. كُتاب من قبيل حيدر حيدر وطه حسين وعبد الرحمن منيف وحنا مينه وإبراهيم جبرا وآخرين كثر، تركوا لنا إرثا ثقيلا من الجمال. وبالتالي فهي علاقة معلم بتلميذه.

  • من أهم الكتاب العرب الذين وقعت تحت تأثير كتاباتهم في بداياتك؟

قرأتُ لكثير من الكتاب الكبار، أما عن الذين أخذتني أعمالهم فأذكر حيدر حيدر في روايته "الزمن الموحش" وقد قرأتها أكثر من مرة، وكنتُ أتوقفُ عند كثير من مقاطعها وأعتبرها الأجمل. أذكر أيضًا خُماسية مدن الملح لـعبد الرحمن منيف وروايته المشتركة مع جبرا إبراهيم "عالم بلا خرائط". "الأيام" لطه حسين. مع هذا التنوع أدرجُ الكاتب المصري الجميل يوسف زيدان ورايته "عزازيل" والتي أعدها فلتة قل نظيرها في عصرنا الراهن.

  • في روايتك (الشجرة والعاصفة) الشخصية الرئيسية تتخذ أكثر من بعد إيهامي وحقيقي.. فهل للرواية ظلال أخرى أو مدلولات أوسع حاولت طرحها؟

الشخصية الرئيسية في "الشجرة والعاصفة" شخصية تعيشُ بيننا ومعظمنا لا يُدرك ذلك. فنحو ٢١ مليون شخص في العالم مُصابون بالفصام بمختلف أنواعه. أولئك "الحمقى" الذين نراهم يمرون بمحاذاتنا في الشارع ونرميهم بسهام جهلنا، مُعظمهم مصابون به وهم يشتركون مع الشخصية البطلة في هذه المعاناة، والذي يحد من وطأة الوضع هو التفسير الشعبي البسيط لهذا المرض بكونه مسا شيطانيا أو سحرا. وحاولتُ في الرواية أن ألفت الانتباه إلى هذا الصراع الداخلي الخفي لهذه الفئة. حيثُ يتداخلُ الواقع بالخيال فيلتبسُ الأمر على المريض حول ماهية ما يعيشه، هل هو حقيقة ثابتة لا مناص من تكذيبها أم هو مزج خيال فقط، والخلاصة أن الأمرين معا واقعٌ يعيشه المريض بالفصام. إنها معاناة تُدمي القلب، للأسف لا يكتوي بنارها إلا الممسوسون بها.

  • في روايتك (الشجرة والعاصفة) أشرتَ إلى بعض الأزمات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع المغربي. حدثنا عن واحدة منها؟

الخلفية الاجتماعية لـ"الشجرة والعاصفة" هي وضعية المجتمعات العربية ككل وخاصة الشمال الإفريقية التي تجمعها روابط ثقافية أكبر. على سبيل المثال تناولت أزمة الجنود الذين أسهموا في استكمال المغرب لبقية ترابه الجنوبي والجحود الذي قوبل به سواء من الحكومات المتعاقبة أو من الأهل الذين تنكروا لهم.

  • ذكرتَ في روايتك "الشجرة والعاصفة" علاقة الحب التي جمعت الشخصية البطلة وهي من خلفية مُسلمة بشخصية يهودية هي "سارة" وهي علاقة يمكننا تشبيهها بتمازج الزيت بالنار. كيفَ حدث ذلك؟

"سارة" بعيدا عن كونها يهودية هي مُواطنة مغربية. وفي المغرب تعايشَ المغاربة المُسلمون مع المغاربة اليهود لسنوات طويلة في إخاء وتلاحم. وعليه المغرب كان بمثابة عالم إنساني مُصغر ذابت فيه الأعراق وانصهرت فيه الطوائف. أما عن الحبّ فهو لا يخضعُ لمنطقٍ. فحينَ ترى شخصًا قادما إليك عن بعد قد تسقطُ في غرامِ عينيه وحينها لا يكونُ بمقدورك التراجع، وهو ما حصلَ للشخصية البطلة مع "سارة" الفتاة المغربية اليهودية. أما عن المقصد فكان لا شك بناء عالم يسوده الحب فقط بغضِّ النظر عن الدين واللون والطائفة، فما أحوجنا إلى ما يجمعنا على الرغم من قلته أما ما يفرقنا فهو كثير. وإذا كان ذلك لا يتأتى في الواقع ففي الخيال توجدُ حياتنا الأخرى، وكما يقولُ العقاد "ولنا في الخيال حياة".

  • بما أنك كاتب شاب، كيف ترى مستقبل الرواية العربية في ظل الإقبال الكبير من الشباب؟

يظهرُ لمتتبع الشأن الأدبي تنامي الاهتمام بهذا الجنس الأدبي عما سواه. الرواية خلقت حياة أخرى لقاعدة واسعة من القراء وإقبال الأدباء على كتابة الرواية مرده إلى وجود جيل من الشباب يهتم بها ويُقبل على اقتنائها. وتوفرُ القراء يعطي حافزًا للكتاب على بذل مزيد من الجهد. أيضًا نُدرج نقطة أخرى. تزايد الجوائز التي تحتفي بالرواية. وهي ما يضعنا أمام طريقين متنافرين. الأول يُفضي إلى الدفع بعجلة الثقافة والأدب، والثاني يدخلنا متاهة الرداءة.

  • يشكل الشباب اليوم طاقة شرائية كبيرة فيما يخص الروايات، هل ترى ذلك الأمر إيجابي بشكل مطلق؟

هو فعلا أمر إيجابي. نشهدُ إقبالا كبيرا على شراء الرواية، بيد أن ذلك يكونُ على حساب أجناس أدبية أخرى كالشعر مثلا. فمن يقرأ الشعر الآن؟ إذن للأمر وجهان واحد إيجابي وآخر أعتبره سلبيا بصراحة. فكاتب الرواية لا يمكنُ أن يغذي لغته إلا بالشّعر. الشّعر عمود الأدب وعليه يجبُ أن نعيد له الاعتبار حتى لا يضيعَ منَّا أكثر، وحتى لا يتجه ما تبقى من الشعراء إلى كتابة الرواية بحثا عن القارئ.

أمر آخر أود أن أشيرَ إليه، إذا كان الشاب يُقبل على شراء الرواية، وبالتالي الانخراط في الفعل الثقافي فعلى دور النشر ألا تُنفر هذا الإقبال عبر رفعها لأثمنة الكتب. ففي أوربا مثلا لا يحصلُ هذا. دور النشر تحترم القدرة الشرائية للقارئ ولك أن تلاحظ الفرق.

  • ما مشروعك الروائي المقبل؟

الآن أعمل على فكرة رواية جديدة تتناولُ قضية الهجرة إلى أوروبا عبر المتوسط والمعاناة الإنسانية التي يعاني منها هؤلاء، فهم الباحثون عن أمل في كومة قش.

تعليقات