فرنسا تواجه إرث التجارب النووية.. تعويض الضحايا بين الأخلاق والميزانية
بعد ستة عقود من التفجيرات التي هزت سماء المحيط الهادئ، يعود شبح التجارب النووية الفرنسية في بولينيزيا ليطرق أبواب باريس من جديد، لا كملف طواه الزمن، بل كقضية عدالة مؤجلة.
فبين الاعتراف الأخلاقي والإنصاف القانوني، يجد المشرع الفرنسي نفسه اليوم أمام إرث ثقيل: أجساد أنهكت بالإشعاع، وأراضٍ ما زالت تحمل ندوب القنابل، وذاكرة جماعية تطالب الدولة بتحمل ثمن قرارات سيادية اتُخذت باسم القوة والردع.
وفي خطوة تمثل اعترافًا متأخرًا بالمعاناة التي تكبدها سكان بولينيزيا الفرنسية نتيجة التجارب النووية الفرنسية بين 1966 و1996، وافق النواب الفرنسيون مساء الجمعة، بالإجماع على مشروع قانون يهدف إلى تحسين وتعزيز تعويض ضحايا التجارب النووية في بولينيزيا الفرنسية، والتي كان آخرها في عام 1996، من خلال توضيح الشروط والمعايير التي تمكن الضحايا من المطالبة بتعويضاتهم.
القرار الذي يأتي في سياق ضغوط شعبية متزايدة ومطالب حقوقية مستمرة لتحميل الدولة كلفة الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن التجارب النووية، يعكس تغييراً تدريجيًا في السياسة الفرنسية نحو مواجهة المسؤولية التاريخية، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
ردود فعل
أكد نواب بولينيزيا الفرنسية أن نحو 15 ألف شخص يعانون من أمراض «ناتجة عن الإشعاع»، وأن نحو نصفهم تُوفوا بالفعل.
وانتقدوا تكبد 280 ألف بولينزي تكاليف صحية باهظة بمفردهم نتيجة قرار اتخذ باسم الدولة الفرنسية، مع الإشارة إلى أن نحو مليار يورو تم دفعها من مساهماتهم الشخصية في التأمين الصحي.
من جانبه، أعرب وزير الداخلية لوران نونيز عن دعمه للحركة، مشيرًا إلى زيادة وظائف الشرطة والمعدات، لكن مع تأكيد أن الميزانية العامة للجيش لا يمكن أن تتحمل وحدها تعويضات ضخمة قد تصل إلى مليارات اليورو.
وأكدت النائبة عن بولينيزيا الفرنسية، ميرينا ريد أربيلوت من المجموعة الشيوعية، والمشاركة في إعداد النص، بعد التصويت، قائلةً بحرارة: «البرلمان الوطني قال للتو: لم ننسَكم».
القانون الجديد يؤكد على اعتماد «افتراض التعرض» بدل إثبات كل حالة على حدة، ما يسهّل حصول المرضى وذويهم على التعويضات، ويعطي بعدًا عمليًا للعملية التي كانت معقدة ومحبطة للضحايا سابقًا. كما يشمل القانون التعويضات الرجعية للطلبات المقدمة قبل صدوره، ما يعكس حرص السلطات على معالجة الثغرات التاريخية في التعويضات.
تسهيل الإجراءات
وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية، إنه كان على الضحايا حتى الوقت الراهن، إثبات أن مرضهم ناتج عن التعرض للإشعاعات النووية خلال التجارب، من خلال إثبات صلة سببية فردية، وهو ما وصفه المشاركون في إعداد القانون بأنه إجراء معقد، بل ومثبط للعزيمة.
وأوضح ديدييه لو جاك، المشارك في إعداد النص من حزب «معًا للجمهورية»: «لم يعد المطلوب من العلم إثبات المستحيل حالة بحالة، بل سيتم الاعتراف بافتراض التعرض».
وبموجب القانون الجديد، سيحق لكل من يعاني من مرض ناتج عن الإشعاع وكان متواجدًا في مناطق وفترات محددة، الحصول على التعويض، وكذلك ورثتهم. وستُطبق هذه التدابير رجعيًا على المطالبات المقدمة قبل صدور القانون.
ويتيح القانون أن تقوم الدولة بـ«تعويض المصاريف الصحية التي تتحملها هيئات التأمين الصحي المعنية، لضمان حصول الضحايا على الدعم اللازم».
جدل سياسي
ورغم التصويت بالإجماع، أثار تكلفة التعويضات بعض التساؤلات بين النواب. فقد حذر النائب ليونيل دوباري من حزب الجمهوريين من أن «ميزانية الجيش لا يمكنها وحدها تحمل تعويضات قد تصل إلى مليارات اليوروهات».
من جانبها، أعربت النائبة دومينيك فونيه من حزب الخضر عن أسفها لأن القانون «يتعامل مع الأجساد، لكنه لا يراعي الأراضي»، مشيرةً إلى أن التجارب تركت مواقع ملوثة بشكل دائم.
توسيع النطاق
كما تم اعتماد تعديل قدمه النائب ماكسيم ليسني من حزب فرنسا المتمردة، يطلب من الحكومة تقديم تقرير عن السياسة الفرنسية للتجارب النووية في الجزائر.
وينص القانون على أن ضحايا التجارب في المراكز العسكرية بالصحراء أو المناطق المحيطة بها يجب أن يعوضوا بنفس الشروط، مع انتقاد النائب ضيق نطاق المناطق المعتمدة، معتبرًا أنه محدود جدًا.
خطوة رمزية
ويمكن النظر إلى هذا القانون كخطوة رمزية وعملية في آن واحد، فهو يعترف بالضرر التاريخي ويسعى إلى معالجة جوانب إدارية معقدة كانت تعيق حصول الضحايا على حقوقهم.
إلا أنه مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو التمويل وضمان تطبيق العدالة بشكل متوازن بين الضحايا وبين القدرة المالية للدولة، خصوصًا أن التجارب النووية خلفت أيضًا آثارًا بيئية طويلة الأمد لم تعالج بعد، وفقاً للصحيفة الفرنسية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg جزيرة ام اند امز