«ستارت» على الحافة.. و«النووي» يبحث عن بوصلة
مع اقتراب انتهاء معاهدة «ستارت الجديدة»، آخر أعمدة ضبط التسلح بين واشنطن وموسكو، تقف المنظومة النووية العالمية عند مفترق حساس.
فغياب هذه القيود يفتح مساحة أوسع لـ«سوء التقدير»، ويعيد شبح سباق نووي غير منضبط في لحظة تتشابك فيها الأزمات الدولية، من أوكرانيا إلى تايوان، وتتآكل فيها قنوات الثقة بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، لا يقتصر الجدل على خيار التجديد أو الانتهاء، بل يمتد إلى البحث عن بدائل واقعية لتقليص المخاطر في عالم تغيّرت معادلاته النووية والتكنولوجية.
وتعد معاهدة "ستارت الجديدة" آخر اتفاقية للحد من التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا ومن المقرر أن ينتهي العمل بها الأسبوع المقبل، ما لم يتخذ الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين قرارًا في اللحظات الأخيرة بتجديدها.
سباق تسلح نووي
وبحسب موقع «ريسبونسيبل ستايت كرافت»، فإن السماح بانتهاء المعاهدة سيؤدي إلى زيادة خطر اندلاع صراع نووي ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي متسارع، في وقت تزداد فيه التوترات الدولية، مشيرًا إلى أن منظمات معنية تضغط على الكونغرس والإدارة الأمريكية للالتزام طوعًا بالقيود التي فرضتها المعاهدة حتى بعد انتهائها.
ودخلت معاهدة "ستارت الجديدة" حيز التنفيذ عام 2011، وحددت سقفًا يبلغ 1550 رأسًا نوويًا منشورًا لكل من واشنطن وموسكو، مع آليات تحقق ورقابة متبادلة.
ورغم أن المعاهدة لم تكن مثالية، فإنها وفرت ضوابط مهمة خففت من احتمالات سباق تسلح شامل إلا أن المصادقة عليها ارتبطت بتعهد أمريكي مثير للجدل باستثمار 85 مليار دولار لتحديث الترسانة النووية، وهو ما اعتبره منتقدون تكريسًا طويل الأمد للاعتماد على السلاح النووي.
ومع ذلك، لم تمنع المعاهدة الطرفين من تطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية حيث تواصل وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) العمل في برنامج ضخم لتحديث الصواريخ والقاذفات والغواصات النووية بتكلفة تقترب من تريليون دولار خلال عقد واحد، بما في ذلك صاروخ "سنتينل" العابر للقارات، رغم تضخم تكاليفه ومخاطره.
ويحذر خبراء، مثل وزير الدفاع الأسبق ويليام بيري، من أن صواريخ "سنتينل" شديدة الخطورة لأنها تتطلب قرار إطلاق خلال دقائق، وهو ما يزيد احتمال حرب نووية نتيجة إنذار كاذب.
في المقابل، تطور روسيا أيضًا أسلحة نووية جديدة، وقد دفعت هذه التطورات "ساعة يوم القيامة" إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، في إشارة إلى اقتراب العالم من كارثة.
اتفاقيات جديدة؟
وأظهر استطلاع رأي أن غالبية الأمريكيين يؤيدون التفاوض على اتفاق جديد مع روسيا كما أن معظم دول العالم تدعم حظر الأسلحة النووية.
الأكيد أن الحفاظ على قيود معاهدة "ستارت الجديدة" والسعي لاتفاقيات جديدة يصب في مصلحة البشرية وذلك رغم الشكوك حول إمكانية تحقيق ذلك في ظل التوترات الحالية.
وفي مقال رأي نشره موقع "ّذا هيل" الأمريكي، أكد ماثيو بون الأستاذ بجامعة هارفارد، أن انتهاء المعاهدة دون بديل سيترك الساحة الدولية بلا أي قيود على سباق نووي ثلاثي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، مما يؤدي زيادة من مخاطر عدم الاستقرار العالمي خاصة في ظل التوترات الدولية مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتفاقم الخلافات حول تايوان، وتسارع الصين في بناء ترسانتها النووية، إلى جانب تطوير روسيا لأسلحة نووية جديدة ومتقدمة.
ومع ذلك، أشار الكاتب إلى وجود فرصة مؤقتة لتفادي هذا السيناريو، إذ عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الالتزام بحدود "ستارت الجديدة" لمدة عام إضافي، إذا التزمت واشنطن بالمثل، مع بدء محادثات أوسع حول تقليص المخاطر النووية.
ورغم أن العرض الروسي يعاني من نواقص، مثل غياب عمليات التفتيش الميداني وقصر المدة، إلا أنه قد يمنح الأطراف وقتًا ثمينًا لاستكشاف إمكانية التوصل إلى ترتيبات جديدة.
وحذر الكاتب من أن اندلاع سباق تسلح نووي واسع سيكلف مئات المليارات من الدولارات دون أن يعزز الأمن الحقيقي لأي من الدول الكبرى.
ورغم اقتصادها العسكري، تدرك روسيا محدودية مواردها مقارنة بالولايات المتحدة، في حين تخشى الصين أن يؤدي توسعها النووي إلى رد فعل أمريكي مماثل يضر بمصالحها.
وفي وقت سابق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه توسيع الترسانة النووية الأمريكية، معتبرًا أن الأسلحة الحالية كافية لتدمير العالم مرات عديدة، ودعا بدلًا من ذلك إلى اتفاقات جديدة لتقليص الأسلحة وتوجيه الموارد نحو مجالات أكثر فائدة.
وفي ظل التحديات الكبيرة خاصة مع تعقيد التوازنات النووية بسبب التكنولوجيا الحديثة، يصبح التوصل إلى "وقفة استراتيجية" مؤقتة أكثر إلحاحًا.
ويوصي الكاتب بأن توافق الولايات المتحدة على تمديد الالتزام بقيود "ستارت الجديدة" لعامين أو ثلاثة، لإتاحة فرصة حقيقية للمفاوضات، بما يخدم الأمن الأمريكي والعالمي على حد سواء.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز