مستقبل «ستارت» الجديدة.. براغماتية واشنطن في مواجهة المخاطر النووية
مع اقتراب موعد انتهاء معاهدة «ستارت الجديدة»، أثيرت تساؤلات بشأن مصير الاتفاقية التي أسهمت في الحد من التنافس النووي.
وينتهي العمل بمعاهدة «ستارت الجديدة» وهي آخر اتفاقية قائمة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا في 5 فبراير/شباط المقبل.
ووقعت واشنطن وموسكو معاهدة «ستارت الجديدة» عام 2010 حيث أسهمت في الحد من التنافس النووي عبر وضع سقف لعدد الرؤوس النووية ووسائل إيصالها، إضافة إلى إتاحة آليات للتفتيش وتبادل البيانات.
ورغم أن روسيا علقت عمليات التفتيش وتبادل المعلومات عام 2023 احتجاجًا على الدعم الأمريكي والغربي لأوكرانيا، فإنها التزمت مبدئيًا بالحدود المنصوص عليها في المعاهدة، وعرضت تمديدها لعام واحد إذا التزمت واشنطن بالمثل.
فهل يتوصل طرفاها لاتفاق بشأن تجديدها؟
تقول مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، إنه يتعين على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموافقة على العرض الروسي لتمديد المعاهدة لمدة عام واحد دون أن يعني ذلك «الثقة» في روسيا، مشيرة إلى أنه يجب النظر إلى تلك الموافقة المحتملة على أنها خيار «براغماتي» يخدم المصلحة الاستراتيجية الأمريكية في مرحلة تتزايد فيها مخاطر سوء التقدير النووي.
وحتى الآن، لم تتخذ الإدارة الأمريكية قرارها، رغم أن ترامب أعرب عن اهتمامه بمحادثات «نزع السلاح النووي» واعتبر العرض الروسي «فكرة جيدة».
وبحسب «فورين بوليسي»، فإن الشك في نوايا روسيا مبَرر، لكن رفض التمديد سواء بشكل صريح أو عبر المماطلة سيضع الولايات المتحدة في بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا وخطورة، خاصة مع ارتفاع احتمالات سوء الحسابات النووية.
أحد أبرز الاعتراضات على تمديد «ستارت الجديدة»، هو أنها لا تتناول التوسع السريع في الترسانة النووية الصينية، لكن هذا الرأي يعزز أهمية المعاهدة بدلًا من إضعافها.
فالولايات المتحدة تواجه للمرة الأولى تحدي ردع قوتين نوويتين كبيرتين في آن واحد؛ إذ تعمل كل من روسيا والصين على تحديث وتوسيع قواتهما النووية.
وفي حال انهيار المعاهدة ستكون واشنطن مجبرة على التخطيط في ظل قدر كبير من عدم اليقين بشأن المسارين الروسي والصيني معًا، ما يعني الاستعداد لأسوأ السيناريوهات الممكنة على الجبهتين في وقت واحد.
لكن هذا النهج مكلف وغير مستقر؛ إذ يقدَر برنامج تحديث الترسانة النووية الأمريكية بأكثر من 1.5 تريليون دولار خلال ثلاثين عامًا، وهو يعاني أصلًا من تجاوز الميزانيات والتأخير.
وفي ظل غياب القيود، ستضطر الولايات المتحدة إلى إنفاق المزيد على «التحوّط الدائم»، ما يضعف القدرة على التخطيط العقلاني ويقوّض الاستقرار في أوقات الأزمات.
وسيؤدي تمديد المعاهدة لعام واحد، مع إعادة تفعيل عمليات التفتيش أو تبادل البيانات، إلى تقليص عدم اليقين الاستراتيجي وسيسمح لواشنطن بتوجيه مواردها التحليلية والدبلوماسية نحو فهم التطور النووي الصيني.
كما أن تمديد المعاهدة سيعزز في الوقت نفسه القدرة الأمريكية-الروسية المشتركة على دفع الصين نحو الانخراط في حوار نووي مسؤول، ما يعني أن التمديد سيخفف من صعوبة إدارة معضلة الردع النووي المتعدد الأطراف.
ورغم ما يردده البعض بأن المعاهدة فقدت قيمتها العملية في ظل آليات التحقق المعلقة، إلا أن القيمة الحقيقية لـ«ستارت الجديدة»، تكمن في «الإطار القانوني والمؤسسي» الذي تبقيه المعاهدة قائمًا.
فبانتهاء المعاهدة، ستختفي التعريفات والآليات والهيئات المشتركة بالكامل، ويصبح التفاوض على اتفاق جديد من الصفر وهو عملية قد تستغرق سنوات وتتطلب ظروفًا سياسية غير متوافرة حاليًا.
عرض بوتين
فحتى في وضعها الهش، توفر «ستارت الجديدة» أدوات جاهزة يمكن للإدارة الأمريكية تفعيلها دون الحاجة إلى معاهدة جديدة أو موافقة مجلس الشيوخ.
في المقابل، فإن عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتمديد المعاهدة ليس بدافع حسن النية، بل نتيجة حسابات استراتيجية واقتصادية واضحة، بحسب المجلة الأمريكية.
وفي ضوء اقتصاد روسيا وميزانيتها الدفاعية الأصغر بكثير من نظيرتها الأمريكية، فإن موسكو أكثر حرصًا على تجنب سباق تسلح غير مقيد وبالتالي فإن هذا الخلل في الميزان يمنح واشنطن نفوذًا يمكن استثماره بدل التفريط به.
ولا يقتصر أثر المعاهدة على العلاقة الثنائية، بل يمتد إلى الحلفاء والنظام العالمي لمنع الانتشار النووي؛ فغياب القيود والشفافية بين أكبر قوتين نوويتين يثير قلق الحلفاء بشأن مصداقية الردع الأمريكي، ويغذي نقاشات في أوروبا وشرق آسيا حول تطوير قدرات نووية مستقلة.
في الوقت نفسه، قد يؤدي انهيار آخر اتفاق نووي كبير إلى إضعاف قدرة واشنطن على الدفاع عن نظام عدم الانتشار في مواجهة دول مثل إيران وكوريا الشمالية.
3 خطوات
لكل هذه الأسباب يمكن النظر إلى تمديد الاتفاقية «لا على أنه تنازل لروسيا، بل استثمار في الاستقرار الاستراتيجي الأمريكي»، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال استراتيجية من ثلاث خطوات:
- الأولى: قبول التمديد فورًا
- الثانية: ربط أي تعاون لاحق باستعادة الشفافية
- الثالثة: استغلال فترة التمديد كبوابة لحوارات أوسع تشمل الصين.
أخيرا، فإن الخيار الحقيقي أمام الولايات المتحدة ليس بين اتفاق مثالي أو لا اتفاق، بل بين بيئة فيها قدر من القيود والشفافية، وأخرى يسودها سباق تسلح مفتوح وغموض خطير.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز