خطة «الناتو» الدفاعية الجديدة.. اختبار بـ3 جبهات
أعاد حلف شمال الأطلسي (الناتو) رسم معادلته الدفاعية في أوروبا خلال قمة فيلنيوس عام 2023، عبر اعتماد خطط دفاع إقليمية جديدة.
هذه الخطط قسمت القارة الأوروبية إلى ثلاث مناطق عمليات رئيسية تمتد من أقصى الشمال إلى الجنوب الشرقي، بإشراف قيادات عملياتية في نورفولك وبرونسوم ونابولي.
ويستهدف هذا الهيكل، وفقا لتقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تعزيز سرعة الاستجابة لأي تهديد محتمل، ولا سيما في مواجهة روسيا، إلا أن التطبيق العملي يكشف أن التحدي لا يكمن في تصميم الخطط بقدر ما يتمثل في قدرة الحلف على إدارة منظومة قيادية متعددة الجنسيات، وتأمين الدعم اللوجستي والموارد اللازمة لتحويل هذه الجبهات إلى قوة قتالية متماسكة.
ثلاث جبهات.. ثلاث مشكلات
تتولى جبهة العمليات المشتركة الشمالية الغربية، مسؤولية حماية شمال الأطلسي وشمال أوروبا والمناطق القطبية، حيث يمثل الجسر البحري عبر الأطلسي شريان الإمداد الرئيسي لنقل التعزيزات الأمريكية إلى القارة الأوروبية.
وتقود المكون البري لهذه الجبهة قيادة تتمركز في مدينة ميكيلي الفنلندية، ينصب تركيزها على حماية خطوط الاتصال الاستراتيجية في مواجهة قدرات الأسطول الشمالي الروسي والغواصات والصواريخ بعيدة المدى، بما يضمن استمرار تدفق القوات والمعدات إلى أوروبا في حال اندلاع مواجهة واسعة.
أما جبهة العمليات المشتركة الوسطى، الممتدة من إستونيا حتى المجر، فتشكل العمود الفقري للدفاع البري والجوي للحلف.
ويضم هذا القطاع مجموعة من الفيالق الوطنية ومتعددة الجنسيات، أبرزها الفيلق الألماني الهولندي الأول، والفيلق متعدد الجنسيات في الشمال الشرقي، والفيلق الخامس الأمريكي المتمركز في بولندا، إضافة إلى الفيلق الثاني البولندي، فيما يضطلع مركز قيادة المكون البري متعدد الفيالق في مدينة فيسبادن الألمانية بمهمة تنسيق العمليات بين هذه التشكيلات المختلفة.
وفي الجنوب الشرقي، تمتد منطقة العمليات من رومانيا مروراً ببلغاريا والبلقان وصولاً إلى البحرين الأسود والمتوسط، وهي جبهة تتشابك فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية.
فالتحديات المرتبطة بشبه جزيرة القرم والمضايق التركية وعدم الاستقرار في البلقان والخلافات بين تركيا واليونان تجعل إدارة هذه المنطقة أكثر تعقيداً. كما يعكس سعي أنقرة إلى إنشاء مقر جديد لفيلق متعدد الجنسيات في أضنة رغبتها في تعزيز دورها داخل الهيكل القيادي للحلف، بما يضيف بعداً جديداً إلى معادلة القيادة والسيطرة.
ورغم وضوح هذا التقسيم، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عند انتقال الخطط إلى أرض الواقع. ففي منطقة البلطيق، يعتمد الدفاع عن إستونيا ولاتفيا على خطوط إمداد تمر عبر ليتوانيا وممر سووالكي الضيق، الواقع بين كالينينغراد الروسية وبيلاروسيا، ما يجعل قدرة إحدى الوحدات على الصمود مرتبطة بنجاح وحدات أخرى في تأمين هذا الممر الحيوي.
الإمداد
يمثل الدعم اللوجستي أحد أكثر عناصر الخطة الدفاعية حساسية، إذ تضطلع قيادة الدعم والتمكين المشتركة بمهمة ضمان انتقال القوات والإمدادات عبر مختلف مناطق العمليات، بما يسمح بتعزيز أي جبهة انطلاقاً من أخرى وفق تطورات الموقف العسكري. لذلك تتحول الموانئ والمطارات والسكك الحديدية وشبكات الطرق والتصاريح ودعم الدول المضيفة إلى عناصر استراتيجية لا تقل أهمية عن الوحدات المقاتلة نفسها.
وتكشف التدريبات العسكرية التي أجراها الحلف في ليتوانيا مؤخرا، حجم التعقيد الذي يرافق نقل معدات وآليات وذخائر وقطع غيار من دول تستخدم معايير تقنية مختلفة، سواء عبر البحر أو البر أو الجو.
وإذا كانت هذه الصعوبات تظهر على مستوى مجموعات قتالية محدودة، فإنها تتضاعف بصورة كبيرة عند إدارة عمليات تشمل عدة فيالق وألوية، حيث تختلف المعدات وأنظمة الصيانة وسلاسل الإمداد بين الجيوش المشاركة، ما يحول العمليات اللوجستية إلى تحدٍ موازٍ للمعركة العسكرية نفسها، على حد قول المعهد.
كما يزيد الطابع متعدد الجنسيات لقوات الناتو من صعوبة التنسيق، إذ تختلف الإجراءات والأنظمة الوطنية من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يجعل مركز القيادة في فيسبادن مسؤولاً عن توحيد آليات العمل قبل اندلاع أي أزمة، بهدف تقليل الاحتكاك التنظيمي وضمان انسيابية العمليات العسكرية عند الحاجة.
ثغرات
ورغم التقدم الذي حققه الحلف في إعادة بناء هيكل القيادة، فإن عدداً من الثغرات لا يزال يهدد فعالية الخطط الجديدة، وفق التقرير.
إذ حافظت جيوش أوروبية كثيرة على مقرات قيادية متطورة أو أعادت إنشاءها بعد الحرب الباردة، لكنها لم تطور بالوتيرة نفسها القدرات المساندة التي تمنح هذه القيادات القدرة على إدارة حرب واسعة، مثل الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع، والهندسة العسكرية، والطيران، والقدرات الطبية، وأنظمة القيادة والسيطرة.
وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن توزيع القوات على جبهات واسعة قد يضعف قدرتها على تحقيق التفوق المحلي إذا لم تتوافر الاحتياطيات والقدرات الداعمة بالقدر الكافي.
كما لا تزال أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجالات رئيسية، أبرزها النيران بعيدة المدى والاستخبارات وبعض القدرات اللوجستية، وهو اعتماد يثير تساؤلات متزايدة مع تصاعد الدعوات الأمريكية إلى تقليص العبء العسكري الواقع على واشنطن.
وفي هذا السياق، تكتسب الاحتياطيات الاستراتيجية التابعة للقائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا أهمية مضاعفة، إذ يفترض أن توفر الدعم اللازم للفيالق المنتشرة على الجبهات المختلفة، غير أن أي تراجع في القدرات الأمريكية قبل اكتمال جاهزية البدائل الأوروبية قد يترك فجوات يصعب تعويضها سريعاً.
حملة واحدة.. ثلاث جبهات
في المحصلة، لا تكمن معضلة "الناتو" في تقسيم أوروبا إلى ثلاث مناطق عمليات، وإنما في إدارة هذه الجبهات باعتبارها مسرح عمليات واحداً تتنافس داخله القيادات على الموارد نفسها. فأي تصعيد في الشمال قد يستنزف الإمكانات المطلوبة لتعزيز الجبهة الوسطى، فيما قد تؤدي أزمة في البحر الأسود إلى إعادة توزيع القدرات على حساب مناطق أخرى، في وقت تتقاطع فيه خطوط الإمداد والدعم بين جميع الجبهات.
ورغم أن الهيكل الدفاعي الجديد يوفر إطاراً أكثر تنظيماً لقيادة العمليات البرية وتنسيق التعزيزات، فإن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرة الحلف على سد فجوات القدرات، وتعزيز التكامل اللوجستي، وتوفير الموارد الكافية لجميع الجبهات في الوقت نفسه، وفق التقرير.