مصرف لبنان يوزع خسائر الأزمة.. المودعون ينتظرون حتى 30 عاما لاسترداد أموالهم
دخلت المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي بشأن إعادة هيكلة القطاع المالي مرحلة جديدة، بعدما اقترح مصرف لبنان تعديلات جوهرية على مشروع إعادة الودائع وإصلاح القطاع المصرفي.
الخطوة تعتبر محاولة لمواءمة الخطة مع القدرات المالية للدولة والمصرف المركزي، وسط فجوة مالية كبيرة وتحديات متزايدة تواجه الاقتصاد اللبناني.
وتضمنت أبرز التعديلات المقترحة خفض قيمة الدفعة المضمونة للمودعين في المرحلة الأولى من 100 ألف دولار إلى 60 ألف دولار، إلى جانب تمديد فترات سداد الودائع لتتراوح بين 20 و30 عامًا، بدلًا من المدة المقترحة سابقًا التي كانت تمتد من 10 إلى 20 عامًا.
كما شملت التعديلات توسيع نطاق تطبيق آلية Bail-in، التي تقوم على تحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى أسهم أو أدوات رأسمالية داخل المصارف، بهدف المساهمة في إعادة رسملة القطاع المصرفي وتعزيز ملاءته المالية.
تخفيف الضغوط على المالية العامة
ويرى مصرف لبنان أن هذه التعديلات تستهدف جعل خطة إعادة الهيكلة أكثر قابلية للتنفيذ، في ظل محدودية الموارد المالية، إذ إن سداد مبالغ كبيرة خلال فترة قصيرة قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات المتبقية ويزيد الضغوط على الاستقرار النقدي وسعر صرف العملة.
ومن هذا المنطلق، تهدف المقترحات إلى توزيع تكلفة معالجة الأزمة على فترة زمنية أطول، بما يقلل الالتزامات الفورية الواقعة على الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي.
انعكاسات مباشرة على المودعين
في المقابل، تثير التعديلات مخاوف بشأن تأثيرها على حقوق المودعين، إذ يعني خفض قيمة الدفعة المضمونة أن عددًا أكبر من أصحاب الودائع سيضطر إلى الانتظار لفترات أطول لاسترداد أمواله.
كما أن تمديد آجال السداد إلى ثلاثة عقود قد يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للودائع بفعل التضخم وتآكل القوة الشرائية، فيما يربط تحويل جزء من الودائع إلى أسهم في المصارف استرداد الأموال بأداء هذه المؤسسات في المستقبل، وهو ما ينقل جزءًا من المخاطر المصرفية إلى المودعين أنفسهم.
وتعد استعادة الثقة في القطاع المصرفي أحد أبرز التحديات التي تواجه خطة الإصلاح، إذ قد يؤدي تمديد فترات السداد وتوسيع تطبيق آلية Bail-in إلى إحجام الأفراد والشركات عن إعادة أموالهم إلى المصارف حتى بعد تنفيذ الإصلاحات، الأمر الذي قد يحد من قدرة القطاع المصرفي على استعادة دوره في تمويل النشاط الاقتصادي.
تأثيرات محتملة على الاستثمار والاقتصاد
ومن المتوقع أن تنعكس هذه التطورات على بيئة الاستثمار، حيث قد تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبات إضافية في الحصول على التمويل نتيجة استمرار شح السيولة وضعف الإقراض، كما قد يتردد المستثمرون المحليون والأجانب في ضخ استثمارات جديدة قبل استعادة القطاع المالي لقدر أكبر من الاستقرار والثقة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تجميد جزء كبير من الودائع قد يحد من الإنفاق الاستهلاكي للأسر، ويؤجل قرارات الاستثمار الشخصي، مثل شراء المساكن أو إطلاق المشروعات الجديدة أو التوسع في الأعمال، وهو ما ينعكس على وتيرة النشاط الاقتصادي.
الواقعية وعدالة توزيع الخسائر
ومن المنتظر أن يقيم صندوق النقد الدولي المقترحات الجديدة استنادًا إلى معيارين رئيسيين، يتمثل الأول في مدى واقعية الخطة وإمكانية تنفيذها في ظل الأوضاع المالية الحالية، بينما يرتبط الثاني بعدالة توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، مع ضمان حماية صغار المودعين.
وتبقى قدرة الخطة على إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي، وتحفيز الاستثمار، وإعادة المصارف إلى دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد، العامل الحاسم في نجاح عملية الإصلاح المالي ووضع الاقتصاد اللبناني على مسار التعافي خلال السنوات المقبلة.