نيجيريا وانهيار الدعم الأمريكي.. ثغرة تعيد «بوكو حرام» إلى الواجهة

في شمال شرق نيجيريا، لا يقف انهيار الدعم الأمريكي عند حدود الأرقام، بل يفتح ثغرة أمنية واسعة سرعان ما تتسلل منها الجماعات الإرهابية.
فكل مدرسة أُغلقت وكل طفل تُرك بلا تعليم، يتحول إلى هدف محتمل في معركة التجنيد التي تجيدها جماعة «بوكو حرام» الإرهابية.
ومع غياب البدائل وتفاقم الفقر، تتحول الحاجة واليأس إلى أدوات بيد التنظيمات، لتعيد إنتاج دائرة العنف من بوابة الأطفال هذه المرة، مستغلة هشاشة الأوضاع كفرصة ذهبية للتمدد.
فكيف أثر انهيار الدعم الأمريكي على تنامي الجماعات الإرهابية؟
بحسب صحيفة «واشنطن بوست»، فإن التداعيات الناتجة عن تراجع المساعدات الأمريكية تتجاوز حدود التعليم لتضرب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، وتفتح الباب أمام احتمالات عودة بعض أشكال العنف والتجنيد القسري للأطفال في صفوف الجماعات الإرهابية.
وأوضحت، أنه إلى جانب الخسائر التعليمية والاقتصادية، تبرز هشاشة أمنية متجددة. فالتقارير المتخصصة تحذر من أن تقليص التمويل الأمريكي يضعف قدرات نيجيريا على مواجهة الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها بوكو حرام وفصيلها الأكثر تنظيماً، «ولاية غرب أفريقيا» التابعة لتنظيم داعش (ISWAP).
ووفقا للتقرير، فقدت مدرسة المهارة المستقبلية الإسلامية، التي عُرفت بأنها من أبرز المؤسسات التعليمية الموجهة لضحايا التطرف في ولاية بورنو، نحو 700 طالب و20 معلماً بعد انسحاب التمويل الأمريكي.
ومع توقفها عن استقبال طلاب جدد، باتت كثير من العائلات أمام خيارات شبه معدومة. فقد ظلت هذه المدرسة لعقود، متنفسا تعليميا نادرا في منطقة مثقلة بصراع مستمر منذ أكثر من 16 عاماً، خلّف مئات الآلاف من الضحايا وموجات نزوح وتشريد هائلة. واليوم، يبدو أن هذا المتنفس بدأ يختنق تحت ضغط الانسحاب الأمريكي المفاجئ.
لكن التعليم ليس وحده ما تضرر. فقد كان للدعم الدولي أثر اقتصادي مباشر على مدينة مايدوجوري؛ إذ ساهم في تشغيل قطاعات كاملة من الخدمات مثل شركات تأجير السيارات، والأمن، والاستيراد، ما خلق حراكا اقتصاديا واجتماعيا أعطى قدرا من الاستقرار لسكان المنطقة.
ومع توقف هذه التدفقات المالية، برزت حالة من الركود الملموس، حيث فقد آلاف العاملين وظائفهم، مثل دانيل حسن الذي كان يعمل في برامج ممولة دوليا، ليجد نفسه فجأة بلا مصدر دخل.
ثغرات
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن غياب التمويل يعني غياب الدعم العملياتي واللوجستي، الأمر الذي يفتح ثغرات يمكن للجماعات المسلحة استغلالها بسهولة، مشيرة إلى أن الانسحاب الاقتصادي والتنموي يتلازم مع تراجع في الفعالية الأمنية، مما يهيء المناخ المناسب لتجدد نفوذ الإرهابيين.
ونوه التقرير إلى أن الفراغ الذي خلّفه انسحاب الدعم الأمريكي لم يمر على بوكو حرام مرور الكرام. فالجماعة وجدت في هذا الحرمان أرضاً خصبة لتجنيد الأطفال والشباب.
ويقول مؤسس مدرسة المهارة المستقبلية الإسلامية، زانا مصطفى، إن «الأمر لم يعد يتطلب عمليات تجنيد نشطة فمع ما يحدث، لن يحتاجوا حتى إلى تجنيدهم؛ وسيعودون إلى الريف ليبدأوا القتال. والأطفال الذين حُرموا من مقاعد الدراسة، وافتقروا إلى الأمل والفرص، تحولوا إلى أهداف مثالية للاستقطاب».
ويؤكد محللون أمنيون أن الأزمة لا يمكن إلا أن تصب في مصلحة الإرهابيين الذين اعتادوا استغلال مثل هذه الظروف لتوسيع صفوفهم.
الأمر لا يقتصر على التجنيد المباشر، بل يمتد إلى استعادة النفوذ الدعوي للجماعة. ففي ظل غياب الخدمات الأساسية – وعلى رأسها التعليم – تصبح بوكو حرام قادرة على إعادة تقديم نفسها كبديل يوفر «الأمل» والمجتمع، حتى وإن كان ذلك في إطار زائف ومشوه.
وتشير تقارير مستقلة إلى أن العجز الاقتصادي والإغاثي يمكّن الجماعة من لعب دور بديل للدولة، من خلال استقطاب الشباب والأطفال تحت شعارات الحماية والانتماء، وهو ما يزيد من شرعيتها في عيون بعض المجتمعات المهمشة.
وخلص التقرير إلى أن الانسحاب المفاجئ للمساعدات الأمريكية خلق فراغا خطيرا على كافة المستويات. فقد تعطلت برامج تعليمية كانت تمثل خط الدفاع الأول ضد التطرف، وتراجع الاقتصاد المحلي الذي وفّر قدرا من الاستقرار، كما ضعفت قدرة الدولة على مواجهة التهديدات الأمنية.
في المقابل، استفادت «بوكو حرام» من هذه الظروف لتعزيز صفوفها وتوسيع نفوذها بين الفئات الأكثر هشاشة. ومع غياب بدائل فعالة أو دعم دولي موازٍ، تبدو المنطقة أمام خطر حقيقي يتمثل في عودة دوامة العنف، حيث يتحول الأطفال من ضحايا إلى أدوات صراع جديدة في واحدة من أطول الأزمات الإنسانية والأمنية في العالم.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNyA= جزيرة ام اند امز