ثقافة

الروائية الأردنية سميحة خريس: العقل العربي تعرض لمؤامرة حقيقية

الأربعاء 2019.4.3 12:18 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 160قراءة
  • 0 تعليق
كاتبة أردنية سميحة خريس

الكاتبة الأردنية سميحة خريس وروايتها الأخيرة "فستق عبيد"

الروائية الأردنية سميحة خريس واحدة من أبرز الكاتبات العربيات، اختيرت في سبتمبر/أيلول الماضي بصفتها "الشخصية الثقافية" لمعرض الكتاب الدولي في العاصمة الأردنية عمّان، تقديرا لرصيدها الإبداعي الذي شمل عددا من الأعمال، منها روايات "فستق عبيد"، و"بابنوس"، و"المد" و"دفتر الطوفان"،  وبفضل تلك الإعمال نالت جوائز  عدة منها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2014، و"جائزة الدولة التشجيعية" عام 1997.

 "العين الإخبارية" تحاور الروائية المبدعة عن بداياتها وتطورها والمشهد الثقافي الأردني والعربي بشكل عام، خلال السطور المقبلة.


متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

يولد شغف الكتابة مع تنبه العقل لموجودات الحياة وتنبه القلب للمشاعر، إذ نبدأ البحث عن وسائل تساعدنا على التعبير عن مكنونات النفس، فنستخدم أصابعنا للشرح لمن يحيط بنا، نستخدم نظراتنا لتقول عنا، ثم نستعين بأدوات كالقلم واللون وربما الألعاب أو الحكايات الخيالية التي نسردها، فإذا ما اكتشفنا اللغة فإننا ننحاز إليها.

حدث هذا في سن مبكرة، منذ تعلمت القراءة والكتابة وأنا أسعى للتعبير بواسطة الكلمة، فكتبت أولى محاولاتي في التاسعة من عمري، وتنقلت بين صنوف الكتابة مما ظننته شعراً وصولاً إلى القصة القصيرة ثم الرواية التي أرضت مقاصدي.

هناك من يرى أن المشهد الأدبي الأردني يعد الأكثر ثراءً مقارنة بأعوام سابقة، ما تعليقك؟

نضج المشهد الأدبي الأردني منذ أعوام، والرموز الأوفر خبرة وإبداعاً كانت في أبناء جيلي، ولا شك أن الساحة تشهد ما يشبه انفجار الإنتاج، ولكني لا أعول على كل ما يطرح في السوق، فقد عرف الكاتب طريقه إلى دور النشر وإلى الإعلام، ولكن المشكلة في الساحة أننا فقدنا منصات مؤسسية كانت تدعم الإبداع والمبدعين وتراجع دورها، مما يؤخر اطلاعنا على التجارب الجديدة.

مع ذلك أقول إن بلداً في حجم الأردن ينتج كل هذه التجارب ويقف على منصة التقييم مع بلاد هي مركز بالنسبة للإبداع لهو أمر مهم، ولكن في النهاية الأهم هو الالتفات لتلك التجارب المميزة التي حققتها نخبة من الجادين المشتغلين على إبداعهم.

روايتك "فستق عبيد" تطرح مآسي وصور الحرمان والعذاب الذي يتعرض له العبيد، ماذا تقصدين؟

لم أبتغ من النص الروائي أن يكون فيلماً تراجيدياً عن العذاب، ولكني أردته صرخة للباحثين عن الحرية عبر صراعهم الطويل مع المنظومات الفاسدة، هناك عدة تأويلات متوازية للنص، كأن يقال إنه إبراز لمعاناة الأفارقة، أو توضيح لوحشية الأبيض أو سيرة الصراع بين الحرية والعبودية، كل هذا يحفل به النص، ولكنه وراء ذلك يخاطب كل إنسان بغض النظر عن لونه وجنسه بما ينطوي عليه من ازدواجية الحر والعبد، الضحية والجلاد، والرواية لا تضع حلولاً أو تبشر بخلاص، ولكنها تضعنا أمام المرايا لنرى أنفسنا بوضوح، ونحاسبها بقسوة.


ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء كتابة "فستق عبيد"؟

ليست "فستق عبيد" وحدها التي وضعتني أمام هذا السؤال، إنه تحد قائم في وجهي كلما خططت حرفاً، برغم أني أؤمن بأن الرواية تختار التقنية التي تناسب موضوعها، أي أني أكتب عملاً كلاسيكياً حين تناسب الأحداث ذلك ويكون إيقاعها واقعياً، وأجنح إلى السريالية والتجريب حين أذهب إلى الغوص في النفس أكثر مما أذهب إليه حين أكتب عن المجتمع، ودائماً لدي الخوف من تكرار نفسي بين نص وآخر، أي أني لا أفكر كثيراً بتجاوز المبدعين الكبار، وحسبي أن أتجاوز نفسي في كل مرة.

بعد الكثير من الإنجازات التي حققتها الرواية الأردنية في المشهد العربي، كيف يمكن تعزيز تلك الإنجازات برأيك؟

سبق أن أشرت إلى حاجة الكتابة في الأردن إلى تعزيز إعلامي، وهذا ملتبس لأن الوضع الإعلامي في العالم العربي كله اليوم منصرف إلى السياسة دون الأدب، كما أنه لم يعد يترك حصة للفنون والآداب بصورة عامة، فما بالك والإعلام نفسه يعاني من ورطته الخاصة في تحدي التكنولوجيا وتغير الأدوات، لهذا لا يمكن أن نرتجي منه الكثير، ولكننا نعول جزئياً على المؤتمرات والندوات العربية التي تدافع عن الأدب وتحاول مواكبته في كل عاصمة عربية، فهي السبيل الوحيد لنتلاقى ونعرض تجاربنا، ليس أمام المبدع الأردني والعربي بصورة عامة إلا العمل على مشروعه وتعميق ثقافته وتشذيب أدواته غاضاً الطرف عن الشهرة والانتشار.

كتب كثير من المفكرين عن العقل العربي وانتقاداته.. برأيك متى يستيقظ هذا العقل العربي أو كيف؟

العقل العربي تعرض لمؤامرة حقيقية قادتها النخب التي حولت أطروحاته إلى شعارات مرتبطة بالسلطة السياسية في كل مكان، لم يعمل بصورة منعزلة عن الغايات والأرباح والمكاسب، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بأيديولوجيات سياسية مغرضة، على الأقل كانت تسعى للسيطرة ونفي الآخر، مما حدد المساحة التي يتحرك فيها هذا العقل، وقضى على موضوعيته، والأخطر على التوجه الإنساني فيه.

في رأيك، هل ينبغي أن يكون للمُبدع موقف من كل ما يُحيط به؟

الذي يتسلى بالإبداع يمكنه أن يلعب اللعبة الشهيرة على الأجهزة الإلكترونية" candy crush" أما المبدع الحقيقي فهو يعلم أن الإبداع بمختلف أشكاله موقف من الحياة، الأغنية موقف، اللوحة موقف، النغم الحر موقف، فكيف الصريحة التي تخاطب العقل والوجدان؟ بالطبع لا بد من موقف، كل مخلوقات الأرض لها مواقفها مما يحيط بها، والأولى بالمثقف الذي يدعي اختلافاً وتميزاً أن تميزه مواقفه.


ماذا أعطتك الكتابة، وهل عوضتك عن أشياء أخرى؟ 

أنقذتني الكتابة من الغوص بأوحال الحياة، ساعدتني على الطيران الحر، وشكلت لي ملجأً آوي إليه عند التعب، وأعطتني منبراً أتغنى من خلاله بأقوالي وأفكاري ومنحتني التفاف القراء واهتمام الناس، الكتابة خطواتي التي تشهد أني مررت من هنا، وهي أملي بأن أكون قد غيرت أو أني سأغير ولو شيئاً طفيفاً في مكان ما أو في قلب إنسان أو مزاجه أو وعيه، لا شك أنها عوضتني عن جفاف الحياة، وعن وعورة دروبها التي لا تقود إلى تحقيق كل الأحلام.

ماذا تضيف الجوائز للكاتب، وهل تعكس الجوائز التي نالها الأدب الأردني في السنوات الأخيرة نهضة وتطورا؟

قلت في أكثر من موقع إن الجوائز تمثل كلمة شكر واعتراف بالتميز، ولكني لا أنظر إليها كرافعة للأدب، ربما تساعد على الانتشار، تعرّف باسم الكاتب، وتمنح الناشر فرصة للربح، وتزيد عدد القراء، وهذه كلها مناحي إيجابية، كما لها مخاطرها من حيث الوهم الذي تشيعه لدى الكاتب الذي فاز،  والكاتب الذي يطمح للفوز فيفصل رواية على مقاس ما يظنه شروط لجان التحكيم، مهرولاً وراء الشهرة والدعم المادي.

إنها باختصار سلاح ذو حدين، دعم للكتاب ومفسدة لآخرين، مسؤولية مضاعفة على الكاتب الجاد، واستسهال مقيت لدى الكاتب المتواضع، أما الجوائز التي ينالها الأردنيون فلا تخرج من هذين التصنيفين، ولا يمكن أن نأخذ بعنصر تزايد الجوائز لنحكم على أدب في بقعة ما أنه تطور أو تحقق، كل حالة فوز هي حكاية خاصة بذاتها.


كيف ترين معايير النقد العربي اليوم، وهل أعطاك النقاد حقك؟

اجتهد النقاد معي بصورة معقولة، ولكن لم يتم الحفر عميقاً في التجربة شاملة، كانت الاهتمامات تتوزع على بعض الروايات وتتجاهل بعضها، واختلط الرأي الانطباعي بالرأي النقدي، ولكني لم أشعر بجدوى الشغل النقدي بصورة كاملة على تجربتي، وأنا غير متعجلة.

أعرف أن النقد مرحلة لاحقة، تحركها الجوائز أحياناً والأمزجة والاهتمام الشخصي أحيانا أخرى، وقد يتأخر زمنا طويلا، النقد في الوطن العربي لم يقدم حالة متقدمة تغير الاتجاهات وتؤشر إلى التيارات بصورة وافية، هناك تجارب فردية ممتازة ولكن مهما تابعت يستحيل أن تلم بالانفجار الروائي الكبير.

هل هناك مشروع أدبي في الطريق؟

أعكف حالياً على كتابة مضنية، أحاول فيها ألا أخضع إلى قسوة الوضع العربي المعتم، ولكني أيضاً أسيرة هذه القتامة، أنبه وأدق جرس الإنذار من انهيار شامل للطبقة الوسطى، ولا أعرف حتى الآن كيف أجيء بمنابع النور إلى المشهد، ولكني أحاول.

تعليقات