سقوط «زيرو».. طائرة يابانية غيّرت تكتيكات الحلفاء في الحرب العالمية
بعد غارة ناجحة على ألاسكا، عاد الأسطول الياباني جنوبًا، دون أن يدرك أنه ترك وراءه طائرة سليمة ليسهل على الأمريكيين الاستيلاء عليها.
ففي يونيو/حزيران 1942، شنت اليابان هجومًا تضليليًا على جزر ألوشيان في ألاسكا، بهدف تشتيت القوات الأمريكية وإلهائها عن الحملة الأكثر أهمية التي كانت جارية -آنذاك- قرب جزيرة ميدواي في المحيط الهادئ.
وأسفرت معركة "ألوشيان" عن أحد أعظم انتصارات الاستخبارات الأمريكية وكان لها تداعيات كبيرة على الصراع حيث استولت القوات الأمريكية على طائرة "ميتسوبيشي إيه 6 إم زيرو" سليمة تقريبًا، وهي أول طائرة "زيرو" يستولي عليها الحلفاء، وفقا لما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
نقاط ضعف
وأشار الموقع إلى أنه بعد الحصول على الطائرة، أجرت القوات الجوية الأمريكية اختبارات طيران عليها، لتكشف عن نقاط ضعف غيرت جذريًا أسلوب قتال الطيارين الأمريكيين ضد المقاتلة اليابانية الرائدة التي أرعبت القوات الأمريكية في بداية الحرب.
صمم مهندس الطائرات الياباني الأسطوري جيرو هوريكوشي الطائرة "إيه 6 إم" وكانت خليفةً للطائرة اليابانية "إيه 5 إم كلود" التي كانت إحدى أوائل الطائرات أحادية السطح التي تعمل من على حاملات الطائرات.
وبدأت شركة ميتسوبيشي العمل على الطائرة الجديدة عام 1937، واكتملت عام 1940، الموافق للعام 2600 في التقويم الإمبراطوري الياباني، وهي ذكرى أكسبتها اسمها الرمزي "زيرو".
وشاركت طائرات زيرو بدور ثانوي في هجوم اليابان على بيرل هاربر، لكنها سيطرت على الحرب الجوية المبكرة فوق المحيط الهادئ خلال نجاحات اليابان السريعة في أواخر عام 1941 وأوائل عام 1942.
وبفضل تصميمها المصنوع بالكامل من الألومنيوم تمتعت الطائرة بسرعة مذهلة وقدرة على المناورة، مما سمح لها بالتغلب بسهولة على طائرات منافسة قديمة الطراز مثل "بي-26 شوتر" و"إف 2 إيه بافالو".
وبحلول معركة ميدواي في يونيو/حزيران 1942، حققت طائرات "زيرو" نسبة إسقاط مذهلة بلغت 12 إلى 1 ضد الأمريكيين، مما أدى إلى أزمة حقيقية في الولايات المتحدة، التي سعت جاهدة لفهم الطائرة ونقاط ضعفها بشكل أفضل.
عمليات متزامنة
وفي يونيو/حزيران 1942، شنت اليابان عمليات متزامنة ضد جزيرة ميدواي لاستدراج الأسطول الأمريكي، وكما شنت هجوما تضليليا على جزر ألوشيان كان الهدف منه استدراج القوات البحرية الأمريكية شمالًا، ومهاجمة ميناء داتش هاربور في ألاسكا، واحتلال جزيرتي أتو وكيسكا في ألوشيان، وبشكل عام الحد من قدرة أمريكا على التدخل في الهجوم الرئيسي في ميدواي.
وكانت طائرة "زيرو" التي استولى عليها الأمريكيون يقودها ضابط الصف تادايوشي كوغا من حاملة الطائرات اليابانية "ريوجو"، وشاركت الطائرة في الهجوم على ميناء "داتش هاربور"، لكنها تعرضت لأضرار في خط الوقود أثناء الغارة، مما حال دون عودتها إلى "ريوجو".
وحول كوجا مساره نحو جزيرة أكوتان، موقع الهبوط الاضطراري المحدد، وحاول الهبوط بعجلات إلا أن أرض المستنقعات تسببت في انغراس العجلات وانقلبت الطائرة، وقُتل كوجا على الفور بكسر في الرقبة وافترض الأسطول الياباني أن الطائرة تم فقدها في المعركة، وانسحب دون محاولة استعادتها أو تدميرها.
وبعد 5 أسابيع، رصدت دورية أمريكية المقاتلة اليابانية حيث ساهمت المستنقعات في تخفيف الصدمة عند تحطم الطائرة وبقي هيكلها سليمًا تمامًا.
قيمة استخباراتية عالية
وعلى الفور، أدرك الأمريكيون القيمة الاستخباراتية للطائرة وتم نقلها إلى قاعدة "نورث آيلاند" الجوية البحرية في سان دييغو، حيث قام طيارو الاختبار التابعون للبحرية بتجربتها على نطاق واسع.
ووثق المهندسون في نورث آيلاند مواصفات طائرة "زيرو" بدقة متناهية، بما في ذلك أدائها في المناورة، وخصائص صعودها، وحدود غوصها، واستجابتها للدوران، وسلوك التحكم بها عند السرعات العالية.
والأهم من ذلك، رصد المهندسون عددًا من المشكلات الخطيرة في الطائرة فقد أصبحت أقل استجابة بشكل ملحوظ عند سرعات الغوص العالية، وتدهور معدل دورانها عند سرعات تتجاوز 200-250 ميلًا في الساعة، وكانت شديدة الحساسية للتلف، حيث كان هيكلها المصنوع من الألومنيوم الخفيف الذي منحها قدرة هائلة على المناورة، وهي نقطة قوتها الأبرز هو أيضًا نقطة ضعفها الأبرز.
وأكدت الاختبارات أن الطيارين الأمريكيين كانوا على وشك الخسارة في المعارك الجوية القريبة مع الطائرة "زيرو"، وخلصوا إلى ضرورة استغلال مزاياها، وتحديدًا سرعتها العالية وأدائها الأفضل على الارتفاع بفضل محركاتها الأقوى، لتنفيذ هجمات خاطفة سريعة.
وكان المفتاح، بشكل عام، هو الحفاظ على الارتفاع والطاقة، ثم الهجوم وإطلاق النار، والابتعاد بالصعود. وعززت هذه الدروس تكتيكات مثل "مناورة ثاتش"، مما سمح للمقاتلات الأمريكية بموازنة ميزة المناورة التي تتمتع بها طائرات "زيرو".
وأثبتت المعارك اللاحقة صحة هذه التغييرات التكتيكية حيث بقيت طائرات "زيرو" خطيرة طوال فترة النزاع، ولكن مع فهم أفضل لقدراتها، أدرك الطيارون الأمريكيون ما يواجهونه.
ومع استمرار الحرب، واجهت اليابان مشكلة ثانية، حيث إن عقيدتها العسكرية لم تكن تعطي الأولوية لحياة الطيارين، فعلى عكس المقاتلات الأمريكية، لم تكن طائرات "زيرو" مزودة بخزانات وقود ذاتية الإغلاق، ولم تشجع اليابان طياريها على ارتداء المظلات.
لذا، واجهت اليابان صعوبة متزايدة في تعويض الطيارين ذوي الخبرة الذين كانت تمتلكهم في بداية الحرب، والذين خسرتهم تدريجيًا في المعارك.
وفي الوقت نفسه، قدمت الولايات المتحدة طائرات أحدث وأكثر تطورًا مثل "إف 6 إف هيلكات" و"إف 4 يو كورسير" ونسخ محسنة من "بي-38 لايتنينغ" حيث تميزت هذه المقاتلات بقوة أكبر، ودروع أثقل، وخزانات وقود ذاتية الإغلاق، وقوة نارية محسنة إضافة إلى التكتيكات الأفضل المستوحاة جزئيًا من طائرة "زيرو" مما ساهم في ترجيح كفة التفوق الجوي لصالح الحلفاء.