مجتمع

أرواحنا في الليل

الأربعاء 2018.6.20 11:57 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 964قراءة
  • 0 تعليق
د.منى البحر

قد يستثيرك أحياناً عنوان لرواية أو لفيلم في طرح أسئلة وجودية مهمة، ويقودك للبحث في كثير من المعاني. وهذا ما حدث لي وأنا أطالع أحد الأفلام الأمريكية المعروضة على أحد المواقع التي تبث الأفلام .

اسم الفيلم هو "أرواحنا في الليل".  تأملت العنوان، وتساءلت بيني وبين نفسي، كيف هي أرواحنا في المساء، وماذا يطرأ عليها ليلاً حتى تختلف عن ما هي عليه في الصباح؟، وطرحت السؤال على بعض الأصدقاء المقربين، قبل رؤية الفيلم والوقوف عند كيف تكون أرواحنا في المساء!

تلقيت إجابات مختلفة، كان بينها قاسم مشترك وهو الوحشة أو الوحدة المسائية.

العزلة أقل انتشارًا وتداولاً كسلوك بين الناس، ولكن الوحدة هي الأكثر حضوراً في حياة الكثير منا، سواء كانت وحدة ناتجة عن عدم وجود الأشخاص المناسبين من حولنا، أم وحدة تفرضها علينا طبيعة المجتمعات الحديثة القائمة على الفردية المطلقة.

وفي يوم إجازه رائق، تفرغت لمشاهدة الفيلم لإشباع الفضول الذي حرّكه عنوانه بداخلي، والشغف لمعرفة حيثيات الفيلم وحواراته وكيف تغدو أرواح أبطاله كل ليلة.  الفيلم من الدراما الأمريكية، وهو من بطولة عملاقَيْ السينما الأمريكية روبرت ريدفور البالغ من العمر اثنين وثمانين عامًا، وجين فوندا التي تبلغ الآن التاسعة والسبعين من عمرها. وقصة الفيلم مقتبسة عن رواية بالعنوان ذاته، للكاتب الأمريكي المعاصر كينت هاروف.

 العمل في الحقيقة فيه من السحر والجمال ما يدعوك كمتلقٍ لتتأمل تفاصيله المختلفة، وتفاصيل الحوار والحياة الإنسانية وما قد يمر بها من منعطفات نعتقد أننا تجاوزناها، ولكنها باقية في وعينا الباطني، وتلعب دوراً محورياً في تشكيل حياتنا وفي القرارات التي نتخذها.

تدور قصة الفيلم حول الأرمل "لويس وترز" الذي يقوم بدوره روبرت ريدفورد وجارته الأرملة "أدي مور"، وتقوم بدورها جين فوندا. ففي إحدى الأمسيات الوحيدة التي يقضيها لويس وهو جالس كعادته منتظراً موعد النوم الذي يغالبه باستمرار، وصوت التلفاز مرتفع لكنه في الحقيقة لا يسمعه وإنما يشغله لإضفاء شيء من الألفة على وحدته الباردة، يفاجأ لويس بطرق غير متوقع أبداً على بابه، ينهض مستغرباً ليعرف الطارق ويجد جارته الأرملة أدي.

 للوهلة الأولى ظن أنها بحاجة لمساعدة ما، لكنها طلبت السماح لها بالدخول حتى تتمكن من الحديث معه في أمر مهم. لويس وإدي جاران منذ فترة طويلة، ولكن لم يكن بينهما أي تواصل غير التحية في حال التقيا مصادفة قرب منزليهما.

كان لويس في حالة توجس يريد معرفة سبب زيارة جارته، ولكنها لم تستطع الكلام بسبب صوت التلفاز العالي جداً، فطلبت خفض الصوت حتى تستطيع شرح سبب زيارتها.

كان كل شيء في لويس منصتا، وكانت إدي مرتبكة نوعاً ما بسبب غرابة طلبها وما يمكن أن تتوقعه منه كردة فعل.

بدأت إيدي طلبها بدون مقدمات أو تبريرات قائلة إنها تريد من لويس مشاركتها الفراش ليلاً كي يؤنس وحدتها الطويلة، وتتمكن من النوم!  كانت نظرات الاستغراب في عين لويس كفيلة بجعل إيدي تسرع في تفسير طلبها، وبأنه ليس كما يتصور؛ فهي لا تريد علاقة جسدية ولا التزامًا من أي نوع، هي فقط تريد من يؤنس وحدتها ليلاً حتى تشعر بالدفء في فراشها وتغفو وهي تتحدث مع أحد.

كانت تبحث عن المشاركة الإنسانية الطبيعية التي افتقدتها بعد موت زوجها ورحيل ابنها الوحيد للعمل في ولاية أخرى. ولم تجد إيدي شخصاً ممكن أن يشاركها وحدتها غير لويس الذي يعيش نفس شعور الوحدة بسبب موت زوجته ورحيل ابنته.

وعدها لويس أن يفكر ويرد عليها بعد يومين. ولكنه في الحقيقة رد في اليوم التالي مباشرة، ونظراً لتردده وخجله من ردة فعل جيرانه وأصدقائه، كان يتسلل ليلاً إلى بيتها يحمل ملابس نومه وفرشاة أسنانه بكيس ورقي كي لا يرى أحد ما فيه، ويطرق بابها الخلفي حتى لا يراه أحد المارة المتطفلين.

 لم تمر الليلة الأولى سلسة على لويس بعكس إيدي التي غطت في نوم عميق، وقد يرجع ذلك لكونه في مكان غير معتاد عليه ومع امرأة لا يعرف الكثير عنها غير أنها جارته الأرملة.

تمر الأيام ويعتاد كلاهما على الآخر بشكل أكبر وتبدأ الأحاديث تطول بينهما، كل يتكلم عن تجربته وعن آلام وأفراح خبراتهما المختلفة. فقد كانت الليالي بمثابة الإفراغ الوجداني والعلاج النفسي لكل منهما حتى ابتدأ الواحد منهما يشعر بتحرر نفسي بما كان يحمله على عاتقه من تجارب وخبرات لسنوات طويلة.

يقول درويش :

هي في المساء وحيدة

وأنا وحيد مثلها

هي وحدها... وأنا أمام جمالها وحدي

لماذا لا توحدنا الهشاشة،

يعكس لنا الفيلم مدى حاجة الإنسان إلى الشعور بالحب والانتماء، ومدى حاجته لمشاركة تفاصيل حياته اليومية مع أناس آخرين يضحك ويتجادل معهم، فهذا في الحقيقة ما يعطي الحياة طعمًا ومعنى، وهذا ما يجعلنا نفهم أنفسنا أكثر ونكتشف جوانب في ذواتنا ما كنا سنكتشفها لولا وجود هذا الآخر المختلف في حياتنا، وخاصة ذلك الآخر القريب منا كثيراً. فقد أكدت إحدى الدراسات الحديثة أن أحد أهم أسباب عدم تعرض كبار السن (أو أي شريحة عمرية أخرى) للمرض النفسي؛ ليس وجود رعاية صحية جيدة ولا وجود مستوى معيشي مرتفع، ولكن في الحقيقة وجود علاقات اجتماعية وتواصل اجتماعي مستمر  يعطي لحياتهم معنى ودفئًا إنسانيًا وإحساسًا بأن هناك من يمكن أن نركن إليه وقت الحاجة، ومن ممكن أن نتشارك معهم قصصنا وأحداثنا اليومية.  فكما يقول نجيب محفوظ: نحن لا نموت حين تفارقنا الروح وحسب، نموت قبل ذلك حين تتشابه أيامنا، ونتوقف عن التغيير، حين لا يزداد شيء فينا سوى أعمارنا وأوزاننا.

الوحدة ليست اختيارية كما هي في حالة لويس وإيدي، ودائماً ما تفرض على كل واحد منا حسب ظروف حياته، ولأنها غير اختيارية فهي كثيراً ما يصاحبها شعور بالحزن والخوف، القلق والاكتئاب، وهي عكس العزلة التي تعتبر قرارًا اختيارياً يسعى إليه المرء ليعزل نفسه عن الناس، إما لإعادة ترتيب بيته الداخلي أو للاختلاء الروحي للوصول لمقام من مقامات التجلي والوصل والوصول للحضرة الإلهية، أو هي حالة شك، يسعى الإنسان من خلالها البحث عن إجابات لأسئلة كثيرة تحيّره، أسئلة لا يستطيع أن ينطقها أو يتداولها مع الخارج المنتقد.

العزلة أقل انتشارًا وتداولاً كسلوك بين الناس، ولكن الوحدة هي الأكثر حضوراً في حياة الكثير منا، سواء كانت وحدة ناتجة عن عدم وجود الأشخاص المناسبين من حولنا، أو وحدة تفرضها علينا طبيعة المجتمعات الحديثة القائمة على الفردية المطلقة، أو تلك التي نسميها وحدة الروح؛ والتي بالرغم من الكم الهائل ممّن يحيط بنا غير أن حضورهم لا يزيد الروح إلا وحدة ووحشة.

يقول أبو إسحق الإليبري في نصيحته لابنه:

فقوتُ الروحِ أرواح المعاني      وليس بِأن طَعِمتَ وإن شَرِبتا

فهنيئا لأرواح التقت فتآلفت فاكتشفت وارتقت،،،

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات