موجة صعود تاريخية.. مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يحلق في وول ستريت
سجل مؤشر S&P 500 واحدة من أطول موجات الصعود في تاريخه.
وجاء هذا الصعود مدعوماً بنمو أرباح الشركات والتوسع الكبير في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وحقق المؤشر عوائد سنوية بلغت 26% في عام 2023 و25% في 2024 و18% في 2025، قبل أن يضيف نحو 7.8% منذ بداية عام 2026، ما يعكس زخمًا استثماريًا قويًا واستمرار ثقة الأسواق.
مؤشرات تحذيرية
وقال تحليل نشره موقع "ذي موتلي فوول" إنه رغم هذه المكاسب القياسية، تتزايد المخاوف بين المستثمرين بشأن مستويات التقييم المرتفعة، إذ تشير بعض المؤشرات إلى أن السوق قد يكون مبالغًا في تسعيره. فعلى سبيل المثال، تجاوز معدل السعر إلى الأرباح المعدل دوريًا مستوى 41، وهو رقم لم يظهر تاريخيًا إلا خلال فقاعة شركات الإنترنت في مطلع الألفية.
كما سجلت نسب السعر إلى القيمة الدفترية والمبيعات مستويات قياسية جديدة، مما يعزز القلق من احتمالية حدوث تصحيح في الأسواق، خاصة مع اقتراب المؤشر من أعلى مستوياته التاريخية. ويعتمد العديد من المستثمرين، ومن بينهم وارين بافيت، على مؤشر مقارنة القيمة السوقية للأسهم بالناتج المحلي الإجمالي، والذي يظهر حاليًا أن السوق الأمريكي يتداول عند ضعف حجم الاقتصاد تقريبًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 1929.
عوامل دعم الصعود
ورغم هذه المؤشرات التحذيرية، يرى محللون أن هناك عوامل قوية قد تدعم استمرار الصعود في المدى المتوسط. ويأتي في مقدمة هذه العوامل الأداء القوي لأرباح الشركات، حيث سجلت شركات المؤشر نموًا في الأرباح بنسبة 28.6% خلال الربع الأول من العام الجاري، مع توقعات باستمرار النمو ليصل إلى نحو 22.8% على مدار العام، وهي معدلات تفوق بكثير المتوسطات التاريخية.
ويُعد هذا النمو في الأرباح مؤشرًا مهمًا، خاصة أن تقييمات الأسهم تعتمد بشكل أساسي على القدرة المستقبلية للشركات على تحقيق أرباح، وليس فقط على الأداء الماضي. وبحسب بيانات مجموعة "سي ام اي" فإن أرباح الشركات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى مستويات قياسية، وهو ما يشير إلى أن السوق قد لا يكون قد بلغ ذروته بعد.
دور أسواق السندات
في سياق متصل، تلعب أسواق السندات دورًا مهمًا في قراءة توجهات المستثمرين. فعندما يتجه المستثمرون إلى شراء السندات ذات العائد المرتفع، فإن ذلك يعكس ثقة في قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وتشير البيانات إلى أن الفجوة بين عوائد السندات الحكومية وسندات الشركات لا تزال عند مستويات منخفضة تاريخيًا، وهو ما يدل على استمرار الثقة في الاقتصاد وعدم وجود مؤشرات فورية على أزمة مالية وشيكة. لكن هذه الإشارات الإيجابية لا تعني غياب المخاطر، إذ يحذر خبراء من أن الأسواق قد تتغير بسرعة، خاصة في ظل التوترات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة في بعض الفترات. كما أن ارتفاع التقييمات يجعل السوق أكثر حساسية لأي أخبار سلبية أو تباطؤ في النمو.
نصائح الخبراء
ونصح التقرير بالتركيز على اختيار الشركات ذات الأسس القوية والقدرة التنافسية العالية، بدلًا من الاعتماد على الاتجاه العام للسوق فقط. فالشركات التي تعمل في قطاعات مستقرة وتشهد نموًا مستدامًا تكون أكثر قدرة على تجاوز فترات التراجع. وفي الوقت نفسه، يشير خبراء إلى أن استمرار الاستثمار بشكل تدريجي يظل استراتيجية فعالة، حيث يسمح للمستثمرين بالاستفادة من أي مكاسب مستقبلية مع تقليل مخاطر التوقيت الخاطئ للسوق.
ما هو مؤشر S&P 500؟
يعد ستاندرد آند بورز 500 مؤشراً هاماً للأسهم الأمريكية تقيسه وتديره شركة S&P Dow Jones Indices. وظيفته الأساسية تتبع أداء شريحة الشركات الأمريكية الكبرى المدرجة في الأسواق الأميركية. لذلك؛ حين يرتفع المؤشر، فهذا يعني أن القيمة السوقية المجمّعة للشركات المؤثرة فيه ارتفعت. وحين ينخفض، فهذا يعني أن هذه القيمة تراجعت.
يمكن الاستثمار في منتجات مالية تتبع المؤشر، مثل صناديق المؤشرات المتداولة ETF، وصناديق الاستثمار، والعقود المستقبلية والخيارات. لهذا، ليس S&P 500 رقماً على شاشة، إنما هو بنية كاملة من الاستثمارات المرتبطة به حول العالم.
الرقم 500 يعني أن المؤشر مصمم ليضم 500 شركة أمريكية كبيرة. لكن هنا تظهر أول مفارقة مهمة: عدد "المكونات" المتداولة داخل المؤشر أعلى من 500، فلبعض الشركات أكثر من فئة أسهم مدرجة. على سبيل المثال، قد تكون للشركة الواحدة فئتان من الأسهم يتم تداولهما برمزين مختلفين، فتظهران كمكونين منفصلين داخل المؤشر، رغم أن الشركة واحدة اقتصادياً.
S&P 500 مؤشر مرجّح بالقيمة السوقية الحرة، أو ما يسمى float-adjusted market capitalization. وهذا يعني أن وزن كل شركة داخله لا يعتمد فقط على سعر سهمها، بل على قيمتها السوقية، بعد تعديلها وفق الأسهم المتاحة فعلياً للتداول العام.
الشركة الأكبر حجماً تأخذ وزناً أكبر؛ فإذا ارتفع سهم شركة عملاقة مثل Nvidia أو Apple أو Microsoft، يكون تأثير ذلك على المؤشر أكبر كثيراً من ارتفاع شركة صغيرة الوزن داخله. لذلك، لا تتحرك الشركات الـ500 بالتساوي داخل S&P 500. فثمة شركات تقود المؤشر، وشركات تتحرك داخله من دون أن يكون أثرها كبيراً.
في السنوات الأخيرة، ومع صعود شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أصبحت الشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا والاتصالات والاستهلاك التقديري قادرة على تحريك المؤشر بكاملِه.
المؤشر مهم جداً، لكنه ليس صورة كاملة عن المجتمع أو الاقتصاد الحقيقي. إنه أقرب إلى "مزاج رأس المال الكبير" منه إلى مزاج كل الاقتصاد.