بعد عامين من الحرب.. «حماس» بين تآكل النفوذ وشبح الأفول
بعد ما يقرب من عامين على اندلاع الحرب مع إسرائيل، تبدو حركة حماس أمام أخطر منعطف منذ تأسيسها عام 1987.
فالحركة التي شكلت لعقود أحد أبرز الفاعلين في الساحة الفلسطينية تواجه اليوم واقعاً مختلفاً جذرياً، تتداخل فيه الخسائر العسكرية مع الأزمات السياسية والمالية وتراجع النفوذ الإقليمي، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرتها على إعادة بناء نفسها أو استمرارها لاعباً مهيمناً في قطاع غزة.
وترى مجلة «فورين بوليسي»، أن أحد أبرز ملامح الأزمة الراهنة يتمثل في الخسائر التي لحقت بالهيكل القيادي للحركة. فقد استهدفت إسرائيل خلال الحرب عدداً كبيراً من قادة الصف الأول السياسيين والعسكريين، إضافة إلى مئات القادة الميدانيين الذين شكلوا العمود الفقري للعمل التنظيمي والقتالي.
وأدى هذا الاستنزاف القيادي إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل آليات اتخاذ القرار داخل الحركة.
ولم تتوقف الخسائر عند القيادات، بل طالت البنية العسكرية التي بنتها حماس على مدى سنوات طويلة. فقد دُمرت أجزاء واسعة من شبكة الأنفاق، ومستودعات الأسلحة، ومراكز تصنيع الصواريخ، وشبكات الاتصالات والقيادة والسيطرة، وهي منظومة كانت تمنح الحركة قدرة على المناورة وخوض مواجهات واسعة النطاق.
ورغم احتفاظها بكميات من الأسلحة الخفيفة، فإن قدرتها على تنفيذ عمليات كبيرة أو فرض معادلات ميدانية جديدة تراجعت بصورة واضحة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
أزمة قيادة وصراع على اتجاه الحركة
تعكس الصعوبات التي واجهها مجلس الشورى في اختيار قيادة جديدة حجم الارتباك الداخلي. فبعد مقتل عدد من كبار القادة، تعثرت عملية إعادة ترتيب الهرم القيادي، ما دفع الحركة إلى إدارة شؤونها عبر قيادة جماعية محدودة الصلاحيات.
وفي الوقت نفسه برز خلاف بين تيارين رئيسيين: الأول يدعو إلى الحفاظ على التحالف الوثيق مع إيران ومواصلة نهج المواجهة المسلحة، في حين يميل الثاني إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على توسيع العلاقات العربية وفتح المجال أمام مسارات سياسية وتفاهمات إقليمية.
هذا الانقسام لا يعكس مجرد تباين في التكتيكات، بل يكشف عن نقاش أعمق حول هوية الحركة ومستقبلها بعد الحرب، وما إذا كانت ستظل تنظيماً يقود مشروع المقاومة المسلحة أم ستتجه تدريجياً نحو صيغة أكثر سياسية وبراغماتية.
أزمة مالية خانقة وتراجع الدعم الإقليمي
إلى جانب الضربات العسكرية، تواجه حماس أزمة مالية تعد من الأشد في تاريخها. فقد تقلصت مصادر التمويل الخارجية وتراجعت المساعدات التي كانت تعتمد عليها في إدارة مؤسساتها المدنية والعسكرية، كما أدى الدمار الواسع في قطاع غزة إلى تقويض قدرتها على تحصيل الموارد المحلية.
ولجأت الحركة إلى فرض ضرائب ورسوم إضافية على الأنشطة التجارية والسلع المتداولة، بما في ذلك بعض المواد الداخلة إلى القطاع، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من الإيرادات. غير أن هذه الإجراءات زادت من الضغوط الاقتصادية على السكان الذين يعانون أصلاً من أوضاع إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة.
وفي الوقت ذاته، فقدت الحركة جانباً مهماً من شبكة دعمها الإقليمي. فإيران، الحليف العسكري والمالي الأبرز، باتت منشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والإقليمية، ما قلص هامش الحركة السياسي والدبلوماسي.
تراجع التأييد الشعبي ومنافسة داخلية
ربما يكون التحدي الأكثر حساسية بالنسبة للحركة هو تراجع شعبيتها داخل غزة. فبعد الدمار الواسع والخسائر البشرية والنزوح الجماعي، بات قطاع من السكان يحمّل حماس مسؤولية اندلاع الحرب وما ترتب عليها من تداعيات كارثية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض التأييد لخيار المواجهة المسلحة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، في ظل تصاعد المطالب بتحسين الأوضاع المعيشية وتوفير الأمن وإعادة الإعمار.
كما تواجه الحركة منافسة داخلية من مجموعات مسلحة محلية وعائلات نافذة بدأت تنازعها النفوذ في بعض المناطق، مستفيدة من تراجع قبضتها الأمنية. وهذا التطور يضعف احتكارها للمشهد داخل القطاع ويجعل إدارة غزة أكثر تعقيداً.
حماس في الخطاب الإسرائيلي.. تهديد قائم أم ذريعة مستمرة؟
في المقابل، يرى مراقبون أن إسرائيل لا تزال تقدم حماس باعتبارها تهديداً عسكرياً قائماً، وهو ما يوفر للحكومة الإسرائيلية مبرراً لمواصلة عملياتها العسكرية والإبقاء على وجودها داخل القطاع وتأجيل أي ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل غزة.
وبين واقع الضعف الذي تعيشه الحركة والخطاب الإسرائيلي الذي يواصل تضخيم خطرها، تبدو حماس اليوم عالقة في معادلة شديدة التعقيد: فهي لم تعد تمتلك أدوات القوة التي كانت تتمتع بها سابقاً.
وبين خيار التحول السياسي وخيار التمسك بالمواجهة، تقف الحركة اليوم في «عنق الزجاجة» أمام أخطر اختبار منذ ما يقرب من أربعة عقود.