خبير فرنسي: باريس تدخل مرحلة إعادة تسليح اقتصادي واستراتيجي
أكد الخبير الاقتصادي والباحث في مرصد الظروف الاقتصادية الفرنسية فرانسوا جيرولف، أن الزيادة الجديدة في الميزانية العسكرية الفرنسية تعكس تغييراً عميقاً في أولويات الدولة.
وأشار إلى أن باريس "تدخل مرحلة إعادة تسليح اقتصادي واستراتيجي" مدفوعة بتغيرات جيوسياسية غير مسبوقة في أوروبا والشرق الأوسط.
إعادة ترتيب الأولويات
ورأى فرنسوا جيرولف في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن هذه الزيادة تعكس تغييراً واضحاً في العقيدة الاقتصادية الفرنسية، حيث لم يعد الإنفاق الدفاعي يُنظر إليه كعبء، بل كاستثمار استراتيجي طويل الأمد.
وأشار إلى أن رفع الإنفاق العسكري إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي يضع فرنسا ضمن الدول الأوروبية الأكثر إنفاقاً على الدفاع، ما يعكس قناعة متزايدة بأن الأمن أصبح شرطاً أساسياً للاستقرار الاقتصادي.

كما حذر من أن هذا التوجه قد يأتي على حساب قطاعات أخرى، مثل التعليم أو الصحة، إذا لم يُواكب بنمو اقتصادي كافٍ. ويرى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والعدالة الاجتماعية.
وأضاف أن إدخال التكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، في المنظومة الأمنية يعكس تحولاً نحو “اقتصاد أمني رقمي”، حيث تتقاطع الصناعات الدفاعية مع الابتكار التكنولوجي، ما قد يخلق فرصاً اقتصادية جديدة، لكنه يطرح أيضاً تحديات تتعلق بالحريات والخصوصية.
البرلمان الفرنسي يراجع قانون البرمجة العسكرية
وبعد عامين ونصف فقط من إقرار قانون البرمجة العسكرية للفترة 2024-2030، بدأ النواب الفرنسيون مناقشة تعديله داخل لجنة الدفاع، مع إدخال زيادة مالية ضخمة تبلغ 36 مليار يورو.
وكان القانون السابق قد حدد سقف الإنفاق عند 413 مليار يورو على مدى ست سنوات، غير أن المشروع الجديد يهدف إلى رفع هذا المسار بشكل ملحوظ، استجابة لتحديات أمنية متصاعدة، في مقدمتها الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
نحو ميزانية عسكرية قياسية
وفق التعديلات المقترحة، قد يصل الإنفاق العسكري السنوي لفرنسا بحلول عام 2030 إلى نحو 76.3 مليار يورو، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن هذه الأرقام تبقى نظرية إلى حد ما، إذ يظل البرلمان قادراً على تعديل الميزانية سنوياً، كما أن الانتخابات الرئاسية المرتقبة في عام 2027 قد تعيد رسم الأولويات السياسية والاقتصادية بالكامل، بحسب موقع "بورصة راما" الاقتصادي الفرنسي.
انتقادات سياسية وتحذيرات أمنية
في السياق السياسي، وصف بعض النواب هذا التعديل بأنه غير كافٍ لمواجهة التهديدات المتزايدة، خاصة مع عودة الحروب التقليدية إلى أوروبا.
في المقابل، اعتبر آخرون أن الزيادة الحالية ليست سوى محاولة لتعويض نواقص سابقة، منتقدين ما وصفوه بـ“عدم واقعية” التقديرات المالية، حيث سيُخصص جزء كبير من الأموال لسداد التزامات قديمة.
تركيز على التسليح والتكنولوجيا
ويركز المشروع الجديد بشكل أساسي على تعزيز الاستثمارات العسكرية، خصوصاً في مجال الذخائر، حيث تم تخصيص 8.5 مليار يورو إضافية، ليصل إجمالي الإنفاق في هذا المجال إلى 26 مليار يورو خلال الفترة المحددة.
كما يتضمن القانون إجراءات جديدة، مثل السماح للقطاع الخاص بالمشاركة في التصدي للطائرات المسيّرة التي تهدد المنشآت الحساسة، وهو ما يعكس تطور طبيعة التهديدات الأمنية.
توسيع صلاحيات الأمن والاستخبارات
ويتضمن المشروع أيضاً توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، من خلال إدخال مفهوم “حالة التأهب الأمني الوطني”، التي تتيح تجاوز بعض القوانين في حالات الخطر الكبير، مثل قوانين البناء أو البيئة.
كما يسمح باستخدام الخوارزميات لتحليل بيانات الإنترنت، بهدف مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالأسلحة والمخدرات، إضافة إلى تعزيز قدرات الاستخبارات في تتبع التهديدات الرقمية.
إجراءات إضافية لتعزيز الرقابة والدفاع
وتشمل التعديلات كذلك فرض رقابة مسبقة على منشورات ضباط الاستخبارات السابقين قبل نشرها، إلى جانب إنشاء خدمة وطنية جديدة ذات طابع عسكري تطوعي، في إطار تعزيز جاهزية المجتمع لمواجهة الأزمات.