النظام التجاري العالمي.. ليس قابلاً للاستمرار
اعتبر تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» أن النظام التجاري العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية انحرف تدريجياً عن أهدافه الأصلية.
والتحليل الذي كتبه روبرت إي. لايتهايزر والذي شغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة من عام 2017 إلى 2021، أشار إلى أن النظام الذي ارتكز على "التجارة الحرة"، أصبح قائمًا على اختلالات هيكلية أضرت بالولايات المتحدة ودول أخرى، وهو ما يستدعي إعادة بنائه على أسس جديدة أكثر توازنًا وعدالة.
واعتبر أن النظام الحالي لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن العالم يتجه بالفعل نحو تغييره، سواء بشكل منسق أو عبر إجراءات أحادية.
ورأى لايتهايزر أن الخيار الأفضل هو بناء نظام جديد قائم على التوازن والشفافية والسيادة الاقتصادية، حتى إذا واجه معارضة.
كذبة جماعية
وألقى التقرير الضوء على تصريحات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس حيث شبّه النظام الاقتصادي العالمي بـ"كذبة جماعية" وهو على غرار ما طرحه فاكلاف هافيل في مقاله الشهير “قوة الضعفاء”، حيث يستمر الناس في ترديد شعارات لا يؤمنون بها. لكن الكاتب يقلب هذا التشبيه، معتبرًا أن من "أزال اللافتة من النافذة" فعلياً ليس القادة المنتقدون للنظام، بل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحدى هذا النظام واعتبره "غير عادل".
ووفقا لتحليل لايتهايزر، فإن النظام التجاري الذي تأسس بعد مؤتمر بريتون وودز عام 1944 كان يهدف إلى تحقيق الاستقرار والنمو وتعزيز التجارة، وكان في بداياته متوازنا نسبيا ويضم دولًا تتشارك مبادئ اقتصادية متقاربة. إلا أن هذا النظام تغيّر بعد نهاية الحرب الباردة، حين ظهرت عقيدة متطرفة للتجارة الحرة، افترضت أن فتح الأسواق سيؤدي تلقائياً إلى منافع متبادلة للجميع.
لكن الواقع خالف هذه الفرضية. فقد أدى التوسع في العولمة، خاصة منذ التسعينيات، إلى نتائج غير متكافئة، حيث تضررت الطبقات العاملة في الدول المتقدمة، بينما استفادت النخب الاقتصادية، كما أن بعض الدول النامية لم تستفد إلا عندما تجاهلت قواعد النظام. علاوة على ذلك، أسهمت سياسات أمريكية مثل إنشاء منظمة التجارة العالمية، واتفاقية "نافتا"، في تعميق هذه الاختلالات.
انتقال الثروة من أمريكا
وركز التحليل على مشكلة العجز التجاري الأمريكي المزمن، الذي أدى إلى انتقال هائل للثروة إلى الخارج. وربط لايتهايزر بين هذا العجز وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع الوظائف الصناعية، وركود الأجور، بل وحتى تفاقم أزمات اجتماعية مثل "وفيات اليأس" الناتجة عن الانتحار والإدمان، خاصة بين الطبقة العاملة.
ويرى الكاتب أن أحد أهم عيوب النظام الحالي هو افتراض أن جميع الدول ستلعب وفق القواعد نفسها، وهو ما لم يحدث. فقد استخدمت دول عديدة سياسات صناعية وحواجز غير جمركية (مثل دعم الصادرات، والتلاعب بالعملة، وضعف قوانين العمل) لتعزيز قدرتها التنافسية، بينما ظلت الأسواق الأمريكية مفتوحة. وهكذا تحولت "التجارة الحرة" عمليا إلى نظام يجعل الولايات المتحدة "المستهلك الأخير" لمنتجات العالم.
ويبرز التحليل أمثلة على هذه الممارسات، مثل ألمانيا التي حققت فوائض تجارية كبيرة بفضل سياسات نقدية وعمالية، واليابان التي دعمت صناعاتها وحمت أسواقها، ثم الصين التي ذهبت أبعد من ذلك باستخدام دعم ضخم، وتنظيم اقتصادي مركزي مكثّف، ما أدى إلى اختلالات عالمية حادة.
وفي هذا السياق، يعد نهج ترامب، القائم على فرض تعريفات جمركية، وتعزيز السياسة الصناعية، وتقليل الاعتماد على الخارج، كخطوة أولى نحو تصحيح المسار، وليس كسياسة انعزالية. أما الهدف النهائي، بحسب الكاتب، هو بناء نظام تجاري عالمي جديد يقوم على "التجارة المتوازنة"، أي أن تحافظ كل دولة على توازن نسبي بين صادراتها ووارداتها على المدى المتوسط.
ويرى الكاتب أن هذا النظام الجديد يجب أن يحقق عدة أهداف بينها تعزيز الأمن الاقتصادي والقومي، دعم الصناعات الاستراتيجية، تحقيق نمو اقتصادي شامل يوزّع ثماره بشكل عادل، وخفض تكاليف المعيشة دون الإضرار بالأهداف الأخرى. كما شدد على ضرورة أن يكون النظام عادلًا في نظر المواطنين، خاصة الطبقات العاملة، لضمان استمراريته.
وطرح آليات لتحقيق هذا التوازن، أبرزها استخدام التعريفات الجمركية بشكل مرن لمعاقبة الدول التي تحقق فوائض مفرطة، مع منح مزايا للدول الملتزمة. كما أشار لأفكار أخرى مثل "شهادات الاستيراد" أو فرض رسوم على تدفقات الاستثمار، لكنه رأى أن التعريفات تبقى الأداة الأكثر بساطة وفعالية.