كيف منح شجار مع ترامب زعيم إسبانيا طوق نجاة سياسيًا؟
بينما يواجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مشكلات داخلية، اعتُبر اشتباكه لأكثر من مرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمثابة طوق نجاة له من تلك الأزمات المعقدة.
هذا ما أكدته صحيفة «نيويورك تامز»، والتي قالت إنه ينظر إلى ترامب في إسبانيا، باعتباره المنقذ السياسي لسانشيز من أزمات داخلية معقدة.
فبالنسبة لعدد كبير من اليساريين حول العالم، برز بيدرو سانشيز، رئيس وزراء إسبانيا، كـ«أشبه ببطل خارق تقدمي»، فهو لم يكتفِ بالدفاع عن مواقف ليبرالية بشأن الهجرة والطاقة المتجددة والحقوق المدنية، بل وقف أيضًا في وجه ترامب بشأن الرسوم الجمركية، واختطاف زعيم فنزويلا، والآن موقفه من حرب إيران.
لكن بينما يجتمع قادة ليبراليون للإشادة بسانشيز في قمة تقدمية عالمية بمدينة برشلونة، فإنهم يعيشون في واقع إسباني موازٍ، حيث يُنظر إلى ترامب على نطاق واسع باعتباره جاء لإنقاذ سانشيز، من خلال إشغاله بصراعات دولية تصرف الانتباه عن مشكلات الزعيم الإسباني الداخلية، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وبعيدًا عن كونه تهديدًا سياسيًا، يُنظر إلى ترامب هنا باعتباره «طوق نجاة وسط بحر من الفضائح والانتكاسات الإسبانية، يساعد على بقاء أكثر السياسيين الأوروبيين مهارة في الإفلات من الأزمات».
مرونة سياسية
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن سانشيز، رئيس الوزراء الاشتراكي منذ عام 2018، «يُعرف داخل بلاده أكثر باستعداده لقول وفعل أي شيء للبقاء في السلطة». ويشيد به أنصاره الليبراليون لبراعته في استخدام «الخنجر السياسي — وهي مهارة يقولون إنها نادرة عالميًا وضرورية لمواجهة صعود اليمين».
وقالت كارمن كالفو، نائبة رئيس الوزراء السابقة: «يجب أن يكون رئيس وزراء عظيمًا في هذا الوقت الحاسم». وأضاف مساعدوه في مقابلات، أن سانشيز «سيفعل كل ما هو مشروع للبقاء في السلطة ومنع سقوط البلاد في يد أقصى اليمين».
وعندما يتعلق الأمر بفعل ما يلزم للبقاء، وصفته كالفو بأنه «زعيم شديد المرونة». لكن بالنسبة للبعض، فإن سانشيز كان مرنًا أكثر من اللازم.
فقد تراجع عن وعده بعدم عقد صفقات عفو مع الأحزاب الانفصالية من أجل ضمان أغلبية برلمانية. كما حكم البلاد دون موازنة لثلاث سنوات، رغم أنه قال سابقًا إن الفشل في تمرير الموازنة يجب أن يؤدي إلى انتخابات.
و«الأخطر من ذلك، بحسب منتقديه، أنه تعمد افتعال صراعات مع أقصى اليمين الصاعد في إسبانيا، وهي خطوة حفزت الليبراليين المحبطين على التصويت له مجددًا، لكنها منحت أقصى اليمين شرعية لم يكن يمتلكها سابقًا»، تقول الصحيفة الأمريكية.
لكن الانتقاد الأكثر ملاحقة له ربما كان ارتباطه بمسؤولين سابقين في الحزب الاشتراكي تورطوا في فضائح، أطلق عليهم خصومه اسم «عصابة بيجو».
رحلة بيجو
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2016، عندما بدأ سانشيز حملته الداخلية التي قادته لاحقًا إلى قمة السلطة، انطلق بسيارته السوداء من نوع بيجو مع ثلاثة حلفاء سياسيين. وكتب حينها على مواقع التواصل: «سآخذ سيارتي مجددًا لأجوب كل أنحاء إسبانيا وأستمع للناس».
وأصبحت تلك الرحلة جزءًا محوريًا من الأسطورة السياسية لسانشيز. لكن بعد عقد من الزمن، ومع مواجهة جميع رفاق الرحلة «اتهامات فساد وهجمات متواصلة من المحافظين، يبدو أن الرحلة أصابته بدوار سياسي»، تقول «نيويورك تايمز».
أحد المتهمين هو خوسيه لويس أبالوس، وزير البنية التحتية السابق والمسؤول الحزبي البارز، والموقوف حاليًا ويُحاكم بتهم تلقي رشى، وهي اتهامات ينفيها.
وقالت السلطات إنه أثناء مداهمة منزله، عُثر على قرص صلب خارجي يحتوي أدلة محتملة، مخبأ داخل سروال امرأة عملت سابقًا ممثلة إباحية، وكان أبالوس قد طلب منها التنزه مع كلبه، وفقًا لتقرير شرطي اطلعت عليه صحيفة «نيويورك تايمز».
أما مساعده كولدو غارسيا، وهو حارس أمن وسائق سابق تحول إلى وسيط حكومي، فيُتهم بتلقي مظاريف مليئة بالرشاوى لصالح الوزير، وهو أيضًا قيد الاحتجاز، وينفي التهم.
ويكمل مجموعة «بيجو» سانتوس سيردان، الذي خلف أبالوس عام 2021 في منصب الرجل الثاني بالحزب، وكان كبير مفاوضي سانشيز في الصفقة مع الانفصاليين الكتالونيين التي سمحت له بتشكيل الحكومة. ويخضع سيردان لتحقيقات بتهمة تلقي عمولات من شركة إنشاءات، وهي تهم ينفيها.
ولا تتهم أي من هذه القضايا سانشيز شخصيًا، الذي وصل إلى السلطة على شعار مكافحة الفساد، رغم أنه أقر ببعض المسؤولية عن ثقته في رفاقه القدامى. وقال سانشيز في مؤتمر صحفي حزين في يونيو 2025: «أعتذر». لكن ذلك لم ينهِ متاعبه.
ففي ديسمبر/كانون الأول، عادت اتهامات تحرش جنسي ضد مسؤول حزبي بارز، وهو ما هدد بإبعاد الناخبات، وهن عنصر أساسي في فرص إعادة انتخابه.
ثم طلب قاضٍ الأسبوع الماضي توجيه اتهامات رسمية إلى زوجته بيغونيا غوميز، في قضية نفوذ مستمرة منذ فترة طويلة.
أزمات
جاءت هذه الفضائح وسط سيل من الأخبار السيئة، بينها انقطاع كهربائي وطني، وتآكل أغلبيته البرلمانية، وأزمة سكن، وفيضانات قاتلة في فالنسيا، حيث أجبره سكان غاضبون على المغادرة أثناء زيارته.
ورغم امتلاك إسبانيا أسرع اقتصاد نموًا في الاتحاد الأوروبي، فإن الاستقطاب ازداد حدة، وتركز كثير من الغضب حول سانشيز نفسه.
وفي فبراير/شباط، لاحظ أنصاره أن رئيس الوزراء الأنيق بدا مرهقًا؛ وجهه شاحب وعيناه غائرتان. وصاحت به امرأة مسنة خلال جولة مصافحة في مدينة خاين الجنوبية: «كُل شيئًا قليلًا... لقد أصبحت نحيفًا جدًا».
وللهروب من الأزمات السياسية سابقًا، لجأ سانشيز مرارًا إلى أسلوب التخويف.
ويقول محللون إنه «تعمد لسنوات افتعال صراعات مع حزب فوكس القومي اليميني الصاعد، المعارض لحقوق المثليين، والمعادي للإسلام، والداعي لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم».
ومن خلال ذلك، سعى إلى إيقاظ الناخبين اليساريين الخاملين، وفي الوقت نفسه إضعاف حزب الشعب المحافظ عبر دفع جناحه المتشدد نحو فوكس.
ونجحت هذه التكتيكات في 2023، حين تمكن سانشيز، رغم اعتبار كثيرين أنه انتهى سياسيًا، من البقاء في السلطة بعد الانتخابات العامة.
لكن منذ ذلك الحين، وخصوصًا بعد الفضائح، بدا الناخبون الليبراليون أقل حماسًا وأكثر ضيقًا منه. وقلق بعض حلفائه السابقين من أن سعيه المستمر للبقاء قد يزيد فرص انزلاق إسبانيا يومًا ما نحو أقصى اليمين.
ترامب.. طوق النجاة
لكن بعد ذلك ظهر ترامب، وكانت المشاجرات معه بمثابة طوق نجاة.
فمع تبادل الرجلين الهجمات بشأن الرسوم الجمركية، وحلف الناتو، وفلسطين، وغرينلاند، وفنزويلا، بدا أن سانشيز يزداد قوة مع كل مواجهة، إذ ساعدته هذه المعارك على صرف الأنظار عن أزماته الداخلية.
واستهان مستشاروه بتهديدات ترامب بفرض رسوم عقابية على إسبانيا، لأن البلاد عضو في الاتحاد الأوروبي، ومن الصعب استهدافها منفردة. وبالنسبة لسانشيز، كانت تهديدات ترامب كلها مكاسب.
والآن، ارتفعت أرقام سانشيز في استطلاعات الرأي، ويبدو مستمتعًا باللحظة.
وعندما دخل البابا ليو الرابع عشر مؤخرًا في خلاف مع ترامب، حرص رئيس الوزراء الإسباني على البقاء في المعركة، مقدمًا دعمه للحبر الأعظم بإشارة إنجيلية رأى البعض أنها قد تنطبق على سانشيز نفسه أيضًا.